كُورُونَا: هَوَاجِسُ وَتَداعِيَاتٌ

آراء

خاص لـ هات بوست:

تَعدَّدَتِ الآَرَاءُ فِي أَسبَابِ ظُهورِ فَيرُوسِ كُورُونا المُستَجِدِّ (كوفيد 19)، وَتَزَاحَمَتْ علَينَا تَفسِيراتٌ عَدِيدةٌ بِشَأنِهِ، وَأُلقيَتْ علَى مَسَامِعِنا تَخمِينَاتٌ مُحَيِّرَةٌ بَينَ عَالمِ الحَقِيقَةِ وَأَساطِيرِ الخُرافَةِ وَنَظرِيَّاتِ المُؤَامَرَةِ، وَلا شَكَّ أَنَّ ذلِكَ كَلَّهُ أَلقَى بِظِلَالِهِ علَينَا، وَعلَى شُعُوبِ العَالِمِ؛ فَجَعَلْنا نَطلُبُ الحَقِيقَةَ لِنَسِيرَ علَى هدًى لا بِضَلَالَةٍ وَتِيهٍ!

وَإِنَّنِي هُنا – عَزِيزِي ‏القَارِئَ – لا يَعنِينِي أَنْ أَطرُقَ أَبوابًا أَضْنَاهَا الجِدَالُ، وَأَثقَلَتْهَا الظُّنُونُ، وَجَثَمَتْ علَى صَدرِهَا كَثرَةُ المَذاهِبِ وَالأَقوَالِ الَّتِي ادَّعَتِ الصَّوابَ، وَزَعَمَتِ امتِلاكَ نَاصِيَةِ الحَقِيقَةِ، غَيرَ أَنَّها مِن الجَهلِ وَالعَمَى قَرِيبَةٌ أَو لَصِيقَةٌ، وِإِنَّما أُحاوِلُ فِي هذا ‏المَقَامِ أَنْ أَسلُكَ مَسلَكَ العُقَلَاءِ النَّابِهِينَ، وَالمُؤمِنِينَ الرَّاشِدِينَ؛ فَأُسلِّطَ الضَّوءَ علَى مَا هُوَ أَجدَى وَأَنجَعُ وَأَنفَعُ حَالًا، وَأَتطَرَّقَ بِدِقَّةٍ وَتَؤُدَةٍ إِلَى ما يُفِيدُ وَيَنفَعُ، وَهُوَ كَيفِيَّةُ مُوَاجِهَتِنا لِهذِهِ الجَائِحَةِ النَّازِلَةِ علَينَا نُزُولَ الصَّاعِقَةِ! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ:

وَهكذا تُسجَنُ الدُّنيا وَمَنْ فِيهَا…لأَنَّ سادَتَها أَخفَوا مَعَانِيها

وَلَعَلَّنَا إِذا نَظَرْنا نَظرَةً ثَاقِبةً إِلَى اتِّجاهَاتِ النَّاسِ حَيَالَ هذِهِ النَّازلَةِ؛ فَلَن نَجِدَها تَخرُجُ عَن أُناسٍ يُواجِهُونَها بِمَزيدٍ مِن الحَيْطةِ وَالحَذَرِ؛ فيُشدِّدُونَ فِي ‏الإِجرَاءَاتِ الوِقَائِيَّةِ وَالقَوَانِينِ المُنجِيَةِ وَيَتَشَدَّدُونَ، وَيَتَعنَّتُونَ وَيُبَالِغُونَ، ما قَد يُؤَثِّرُ سَلبًا فِي المُحِيطِينَ بِهم، ‏وَيَزِيدُ مِن خَوفِهِم، وَيُثِيرُ الرُّعبَ فِيهِم، وَيُسَاعِدُ فِي تَروِيجِ الإِشَاعَاتِ، ‏َوَنَشرِ الفَوضَى بَينَهُم؛ فَيَمُوتُ النَّاسُ هَلعًا قَبلَ أَنْ يَنَالَ مِنهُم (كُورُونَا) ذَاتُهُ! وَهذا الصِّنفُ مِن النَّاسِ لا إِخَالُهُ يُعجِبُك – عَزِيزِي القَارِئَ – وَلا أَظُنُّ أَنَّ تَصرُّفَهُ يَرُوقُ لَكَ، وَلِسَانُ حالِهِم أَبلَغُ مِن مَقَالِهِم:

يَقُولُ صَاحِبُنا ضَاقَتْ بِنَا سُبُلٌ…وَهذِهِ طُرُقٌ فِي الأَرضِ نَبنِيهَا

وَمَا كُورُونا وَما أَعراضُها انتَشَرَت…إِلَّا لأَنَّ عبَادًا زَاغَ قَاضِيها

وَفِي المُقَابِلِ نَجِدُ آَخَرِينَ قَد غَلبَهُم تَهَاوُنُهُم، وَزَادَ علَيهِم تَفرِيطُهُم؛ فَتَعَامَلُوا مَعَ الجَائِحةِ بِتَهَاوُنٍ شَدِيدٍ وَإِهمَالٍ، ضَارِبِينَ عَرضَ الحَائِطِ بِكُلِّ مَعَايِيرِ الصِّحَّةِ وَالسَّلامَةِ وَالتَّحذِيرِ، مُقَلِّدِينَ مَعَ هذِهِ الجَائِحَةِ فِعلَ الأَطفَالِ مَعَ النَّارِ حِينَ يَضَعُونَ أَيدِيَهُم فِيهَا غَيرَ عَابِئِينَ بِعَوَاقِبِها؛ فَلا يُوقِفُهُم عَنِ اللَّعِبِ بِهَا إِلَّا حَرِيقُها اللَّاهِبُ وَآَثَارُها المُدَمِّرَةُ! وَمِثلُ هؤلاءِ مُفَرِّطُونَ فِي صِحَّتِهِم، وَصِحَّةِ أَهلِهِم وَأَحبَابِهِم، بَل إِنَّهُم مُفَرِّطُونَ فِي سَلَامَةِ دِيَارِهِم وَأَمنِ مُجتَمَعِهِم، وَأَربَأُ بِكَ – أَيُّها القَارِئُ الكَرِيمُ – أَنْ تَحذُوَ حَذوَهُم، أَو تَركَنَ إِلَيهِم، فَيُمسَّكُ (كُورُونَا) بِأَوجَاعِهِ، وَقَانَا اللهُ وَإِيَّاكَ آَلامَهُ وَأَوصَابَهُ!

وَثمّةَ صِنفٌ ثَالِثٌ سَاخِرٌ؛ اِتَّخَذَ مِن مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجتِمَاعِيِّ مِنبَرًا يَبُثُّ عَبرَهُ مَقَاطِعَ الفِيديُو السَّاخِرَةَ، فَتَجِدُهُ يَضحَكُ مِن هذا الوَبَاءِ دُونَ أَيِّ إِدرَاكٍ لِعَواقِبِهِ وَمَآَلَاتِهِ المُدَمِّرَةِ، وَيُهَوِّنُ مِن شَأنِ هذِهِ الجَائِحَةِ الَّتِي تَطُوفُ العَالَمَ شَرقًا وَغَربًا، وَلا أَعرِفُ إِنْ كَانَتْ سُخرِيَتُهُم هذِهِ عَنْ عِلمٍ لَدُنِيٍّ عِندَهُم، أَم هُوَ جَهلٌ مُطبِقٌ قَد غَشِيَهُم! وَإِنَّنِي لَأَخشَى أَنْ تَتَبَدَّلَ ضَحِكَاتُهُم مِن بَعدِ أَمنِهِم خَوفًا، وَحُبُورُهُم الظَّاهِرُ مِن بَعدِهِ حُزنًا، بَعدَ أَنْ يَكونُوا قَد نَقَلُوا فُصُولَ مَسرَحِيَّتِهِم المَوبُوءَةِ إِلَى أُسَرِهِم وَذَوِيهِم وَكُلِّ مَنْ خَالَطُوهُ أَو خَالَطَهُم!

وَأَشُكُّ – عَزِيزِي القَارِئَ – فِي أَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ تَرَى مِثلَ هؤلاءِ أَو تَسِيرَ فِي رِكَابِهِم، أَو أَنْ تَحذُوَ حَذْوَ سُلُوكِهِم الشَّائِنِ قَيْدَ أُنمُلَةٍ، فَضلًا عَن أَنْ تَقتَرِفَ بَعضَ آَثَامِهِم فِي حَقِّ أَنفُسِهِم وَحَقِّ مَنْ حَولَهُم! وَإِنْ كَانَ بَعضُ النَّاسِ – وَلَسْتُ مِنهُم – يَلتَمِسُونَ لَهُم العُذرَ بِانسِيَاقِهِم وَرَاءَ طبَيِعتَهِم السَّاخِرةِ، وَطَرِيقَتِهِم ‏الظَّرِيفَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الأَزَمَاتِ!

وَيُوجَدُ صِنفٌ رَابِعٌ قَد أَخَذَ الأَمرَ فِي سِيَاقِهِ الطَّبِيعِيِّ، بِلا تَفرِيطٍ وَلا إِفرَاطٍ؛ فَاحْتَاطَ لِنفسِهِ وَلِمَنْ حَولَهُ مِن أَحبَابِهِ، وَأَفرَادِ مُجتَمَعِهِ وَوَطنِهِ، وَسَلَكَ المَسلَكَ الرَّاشِدَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الجَائِحَةِ؛ فَأَخَذَ حِذْرَه، وَاتَّبَعَ نُصحَ أَهلِ الدِّرَايَةِ وَالمَعرِفَةِ مِن الأَطِبَّاءِ وَالعُلَمَاءِ المُتَخَصِّصِينَ، وَالتَزَمَ بِمَا قَامَ بِهِ أُولُو الأَمرِ مِن تَدَابِيرَ وَاحتِرَازَاتٍ؛ فَسَلِمَ وَغَنِم، وَنَجَا وَأَنجَى مَنْ حَولَهُ مِن الأَهلِ وَالأَحبَابِ. وَمِثلُ هذا الصِّنفِ حَرِيٌّ بِنَا – عَزِيزِي القَارِئَ – أَنْ نَكُونَ مِنهُم، وَأَنْ نُشَجِّعَ علَى الاِقتِداءِ بِهم؛ فَنَنجُو مَعًا وَيَنجُو مُجتَمَعُنا كُلُّهُ. وَقِيلَ فِي ذلِكَ:

لم نَنْسَ أَنَّ كُورُونَا مِن مَلائِكِهِ…يَرمِي بِهَا خَلقَهُ حَتمًا لَيَجزِيها

فَهَل نَعُودُ، وَهلْ تُرجَى لَنَا هِمَمٌ…نَدعُوَ لِيُكشَفَ هُمٌّ مِن مَرامِيها

وَممَّا يَجدُرُ الإِشَادَةُ بِهِ فِي هذا السِّيَاقِ، دَورُ العَامِلِينَ فِي قَطَّاعِ الصِّحَّةِ مِن أَطِبَّاءَ وَمُمرِّضِينَ وَغَيرِهِم مِمَّنْ لا يَتَّسِعُ المَقَامُ لِذِكرِهِم هُنَا، لِلتّصَدِّي لِهَذِهِ الجَائِحَةِ؛ فَدَورُهُم لا يُمكِنُ تَجَاهُلُهُ، وَتَضحِيَتُهُم لَنْ تُنسَى؛ فَهُم يَحمِلُونَ الجَانِبَ الإِنسَانِيَّ، وَالوَاجِبَ الأَخلاقِيَّ علَى عَوَاتِقِهِم، وَيَنخَرِطُونَ فِي جَوفِ المَخَاطِرِ، وَيُوَاجِهُونَ عَدُوًّا خَفِيًّا غَادِرًا، وَيَدرَؤُونَ عَن أَهلِهِم الأَخطَارَ، وَيَتَعَامَلُونَ مَعَ الأَمرِ بِهِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وَحِرَفيَّةٍ دَقِيقَةٍ وَاقتِدَارٍ، وَفِي الوَقتِ ذَاتِهِ – علَى الرُّغمِ مِن خُطُورَةِ الأَمرِ وَفَداحَتِهِ – لم يُغفِلُوا طَبِيعَتَهُم الإِنسَانِيَّةَ، وَلا الجَانِبَ النَّفسِيَّ لِلمَرضَى وَالمُصَابِينَ، وَللهِ دَرُّ أُولئِكَ الأَطِبَّاءِ الِّذينَ انتَشَرَتْ مَقَاطِعُ فِيديو لَهُم وَهُم ‏َيَضحَكُونَ وَيُغنُّونَ، بَل يَرقُصُونَ مَعَ مَرضَاهُم المُصَابِينَ. وَلا يَخفَى أَنّهُ يَكُونُ لِمِثلِ هذِهِ المُبَادَرَاتِ الطَّيِّبةِ آَثَارٌ إِيجَابِيَّةٌ فِي المَرضَى وَذَوِيهِم، بَل فِي الطَّاقَمِ الطِّبِيِّ وَمُعَاوِنِيهِم، لاسيَّما فِي هذا الظَّرفِ العَصِيبِ؛ إِذ أَصبَحْنا جَمِيعًا نَبحَثُ عَن بَارِقَةِ أَمَلٍ وَسطَ هذا الرُّكَامِ مِن الأَخبَارِ الحَزِينَةِ!

وَأَمَّا نَحنُ- السُّعُودِيِّينَ- فَلَنَا الحَقُّ أَنْ نَفخَرَ كُلَّ الفَخرِ وَأَعظَمَهُ بِقِيَادَتِنَا الرَّاشِدةِ، وَحُكُومَتِنَا القَوِيَّةِ، وَإِدَارَتِنَا الحَكِيمَةِ؛ إِذ تَعَامَلَ الجَمِيعُ فِيهَا مَعَ هذِهِ الجَائِحَةِ بِعَقلَانِيَّةٍ ‏وَوَاقِعِيّةٍ، وَلم يَكُنْ غَرِيبًا علَى مُجتَمَعِنَا أَنْ يَضَعَ كُلَّ مَنْ يَقطُنُ المَملَكَةَ – بِوَصفِهِ إِنسَانًا – علَى رَأسِ أَولِوِيَّاتِهِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا سُعُودِيِّينَ أَم أَشِقَّاءَ عَرَبًا أَم أَجَانِبَ، فَضلًا عَنِ الشَّجَاعَةِ فِي اتِّخَاذِ التَّدَابِيرِ الاحتِرَازِيَّةِ الَّتِي تَضمَنُ سَلَامةَ المُصَلِّينَ وَالمُعتَمِرينَ وَالزَّائِرِينَ.

وَلَقَد آَمَنَ الجَمِيعُ وَاطمَأَنَّ إِلَى أَنَّ ‏الحِفَاظَ علَى سَلَامَةِ شَعبِ المَملَكَةِ المُبارَكةِ وَالمُقِيمِينَ علَى أَراضِيهَا وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَوَطَنِيٌّ؛ وَهُوَ مَا قَامَتْ بِهِ السُّلُطَاتُ ‏علَى أَكمَلِ وَجهٍ وَأَتمِّ صُورَةٍ؛ فَلا هُم هَوَّلُوا الأَمرَ، وَلا هَـوَّنُوا ‏مِنهُ، فَخَرجَتِ القَرَارَاتُ مَسؤُولَةً عَقلَانِيَّةً حَكِيمَةً؛ فَضَمِنَتْ – بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ – لِرَعَايَا المَملَكَةِ وَأَشقَائِهَا وَكُلِّ مَنْ فِيهَا ‏السَّلامَةَ وَالأَمَانَ، وَالبِيئَةَ الصِّحِيَّةَ السَّلِيمَةَ.‏

وَمِمَّا يُذكَرُ فَيُشكَرُ لِحُكُومَتِنَا الرَّاشِدَةِ، استِبَاقُهَا بِاتِّخاذِ عَدَدٍ مِن الإِجرَاءَاتِ الاِحتِرَازِيَّةِ، وَمِنهَا: القَرَارُ الصَّائِبُ بِوَقفِ صَلَاةِ الجُمعَةِ وَالجَمَاعَةِ فِي المَسَاجدِ بِاستِثنَاءِ الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ، وَقَد حَذَتْ مُعظَمُ الدُّوَلِ الإِسلَامِيَّةِ هذا الحَذوَ – وَإِنْ كَانَ ذلِكَ قَاسِيًا علَى المُعلَّقَةِ قُلُوبُهُم بِالمَسَاجِدِ – فَمَردُّهُ القِيَاسُ علَى قَولِ رَسُولِنَا الكَرِيمِ – عَلَيهِ أَفضَلُ الصَّلَوَاتِ وَالتَّسلِيمِ: (إِذا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرضٍ؛ فَلا ‏تَدخُلُوها، وَإذا وَقَعَ وَأَنتُم بِهَا فَلا تَخرُجُوا مِنهَا)، وَغَيرُ ذلِكَ مِن نُصُوصٍ تَدُلُّ علَى مَشرُوعِيَّةِ هذا الأَمرِ.وَنَقُولُ هُنَا:

وَتِلكَ مِملَكةٌ لِلخَيرِ فاعِلَةٌ …سَلمَانُ فِيهَا يَقُودُ الحَزمَ وَالأَمَلا

وَلَيسَ هذا بِجَدِيدٍ علَى وُلَاةِ أَمرِنَا – حَفِظَهُم اللهُ – إِذ تَجِدُ ‏فِي حِكمَتِهِم الرَّاشِدَةِ الإِخلَاصَ وَالصِّدقَ وَالنَّجَاةَ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ أَلَمَّتْ.‏