محمد النغيمش
محمد النغيمش
كاتب متخصص في الإدارة

احمل رصاصة في جيبك!

آراء

كنت في حوار مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» الأسبق طارق الحميد، حول إحدى مقالاته، كما أفعل عادة مع الزملاء العرب. سألته: لماذا لم تضف في مقالك «كذا وكذا»؟ فقال: لم أنسَ، ولكنني «دائمًا أحتفظ برصاصة في جيبي»! وهي كناية عن أنه يدخر بعضا من الحجج ليستخدمها لاحقا ضد من يهاجمونه.

وهذه المقولة ذكرتني بأمور كثيرة نمارسها في حياتنا تندرج تحت المفهوم نفسه. ففي الإقناع مثلا يفضّل دائمًا أن يحتفظ المرء بحجة دامغة ليفاجئ بها خصمه في نهاية الحوار. فكما أن الحرب خدعة كذلك الحوار والإقناع. وليس من الحكمة أن «تحرق» كل أوراقك، فلا بد من شيء تدخره مثل الوقود الاحتياطي في الطائرة الحربية والسيارات الحديثة. وكذلك يفعل المتسابقون في حلبات السباق ومضمار الجري يبقي المتفوق منهم شيئا من طاقته للحظة الأخيرة ليباغت الجميع.

والمتابع للأفلام الوثائقية المهنية يجدها تختم فقراتها بعبارة بالصميم لترسخ في الذهن، وهي الطلقة الأخيرة التي يبقى صداها عالقا في الأذهان. الحال ينطبق على البرامج التلفزيونية، ففي ختام الفقرة يذكر المذيع أمرا يثير الاهتمام ثم يقول: «نناقش ذلك بعد الفاصل»، وهو أسلوب احترافي في تشويق وإقناع المشاهد بأن البرنامج مستمر في مادة تهمك. ونفعل ذلك أحيانا نحن معشر كتاب الأعمدة لتكون الخاتمة أوقع على القارئ.

وفي ميادين العمل التي تحفل عادة بالبيع والشراء ومحاولات استمالة الناس نحو قرارنا، يساعد تأجيلنا لبعض الحجج في ترك الآخرين يدلون بدلوهم حتى يفرغوا ما في جعبتهم، حينها يمكن أن نطلق الطلقة الأخيرة بعد أن استنفد الجميع ذخائرهم.

إن دعوتنا لحمل رصاصة مجرد استعارة لفظية لا ندعو من خلالها بالطبع للعنف لأن العنف حيلة العاجز، ولكنها محاولة لاستخدام التكتيكات الفاعلة في الحوار علنا نكون أكثر تأثيرا وذكاء في مواجهة الآخرين. وهذه رصاصتي الأخيرة!
 
المصدر: الشرق الأوسط
http://aawsat.com/home/article/326896/