الحرية والانفلات

آراء

يبدو لي أنَّ المجتمعات العربية بشكل عام، لا تنظر بعين الرضا إلى فكرة الحرية. لعلها تتمنَّاها، لكنَّها في الوقت عينه، تخشى عواقبَها، كما ترتاب في نوايا المؤمنين بها والداعين إليها.

إنَّ السببَ الأبرز للارتياب في الحرية، هو القلق من الانفلات الاجتماعي. حين يدعو شخص ما لاحترام قيمة الحرية أو ضمانها لكل الناس، فإنَّ قليلاً من الناس سيناقشه في فوائد الحرية وأضرارها كقيمة قائمة بذاتها. أما أكثر الناس فسوف يردُّ عليه بالقول مثلاً: ولكن إقرار الحرية سيزيد من التمرد على التقاليد، وسوف يشجع الفتيات والفتيان على التمرد على الآداب العامة، وربما تجدهم في الأسواق والمتنزهات بملابس غير لائقة، وقد يكرر الكذبة التي شاعت في السنوات الماضية: «هم لا يريدون حرية المرأة، بل حرية الوصول إليها». وقد تسمع أيضاً من يقول: ومن يضمن أنَّ الحرية لن تمنح فرصة للمرتد عن الدين، وداعية التطبيع مع العدو، أو المحرض على الإرهاب، كي يعلنوا آراءهم في المجال العام، فيتمكنوا من استقطاب مناصرين لمبادئهم. وهذا يؤدي في نهاية المطاف، إلى توسيع شريحة المنحرفين عن الطريق المستقيمة.

أقول إنَّ هذا ما يقال في الغالب. وهو يكشف عن حقيقة مؤلمة، فحواها أنَّ غالبية العرب لا يفكرون في الحرية كموضوع قائم بذاته، أو كقيمة سامية هي السر الأعظم في ازدهار العلم وارتقاء الإنسان الفرد، وتقدم المجتمعات الإنسانية ككل.

بدلاً من هذا، فإنَّهم ينظرون إلى قيمة الحرية من زاوية أخلاقية بحتة. فهم ينطلقون من فرضية فحواها أن شيوع المفاسد والنزاعات الاجتماعية، سببه ضعف الانضباط الاجتماعي، أي – على وجه التحديد – تمرد الإصلاحيين والأجيال الجديدة على الموروث القيمي، ومجموعة التقاليد التي تحمي التراتبية الاجتماعية.

من حيث المبدأ، فإني أرى هذا الاعتبار بعيداً جداً عن جوهر مفهوم الأخلاق. وأنَّ حجب الحريات الفردية بذريعة الحفاظ على الأخلاق، هو مجرد لعب بالكلمات. لكن هذا نقاش لا يتسع له المجال اليوم. والذي أريد التركيز عليه هو أنَّ إغفال الحرية كقيمة عليا مستقلة، كلَّفنا خسائر عظيمة في مجالات أساسية لحياتنا، من بينها تعزيز الرابطة الاجتماعية، وتطوير الأخلاق العامة، ومنها توسيع الحياة العلمية وتجديد الفكر، فضلاً عن زيادة الثروة الوطنية. نحن نخسر في كل واحد من هذه المجالات، لأننا معرضون عن تبني قيمة الحرية.

أعلم بطبيعة الحال أن القبول بهذا، سيأتي بكثير من المنغصات والأمور غير المحببة إلى نفوس بعضنا. لكن علينا أن نسائل أنفسَنا من دون مناورة أو مداورة: هل الذي تحبُّه نفوسنا معيارٌ للخطأ والصواب، وهل الذي ورثناه عن آبائنا، من مفاهيم وأعراف وقواعد تفكير، قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟

سوف نكون أقربَ إلى العقلانية، وأقربَ إلى احترام الذات الإنسانية، بمجرد الإقرار بأنَّ ما نعرفه ليس حقاً مطلقاً، وأنَّ ما لدى الآخرين الذين جرَّبوا الحياة في ظل الحرية، ليس باطلاً مطلقاً. الذي عندنا مثل الذي عندهم – مهما بالغنا في تبجيله – خليط ضخم يحتمل الصواب والخطأ، وأنَّ علينا تشغيل عقولنا في اختيار ما نظنه مفيداً، وما أثبتت التجارب فائدته.

تجربة المجتمعات التي تبنَّت الحرية في الماضي والحاضر، تكشف من دون لبس، عن خطأ التفكير في الحرية، من زاوية كونها مشكلةً أو سبباً للانفلات. هذه التجارب بذاتها حجة علينا تستدعي التأمل.

المصدر: الشرق الأوسط