الفاتيكان والعالم الإسلامي… تعاون لا تنافس

آراء

يبقى شهر رمضان الفضيل قيمة روحية للإنسانية؛ فالصوم والصلاة، يقرّبان بين الأرواح الساعية في طريق الوحدة الإنسانية، والبشرية الواحدة، عبر المودات المتبادلة، وتعظيم التعاون النافع والبناء من أجل عالم أكثر تناغماً، يسوده السلام، وتتباعد عنه سحب الكراهية والخصام.
ومثل كل عام، توجه المجلس البابوي للحوار بين الأديان في حاضرة الفاتيكان برسالة التهنئة للعالم الإسلامي، وتهنئة هذا العام لها مذاق خاص؛ ذلك أنها تأتي بعد تبادل زيارات رفيعة المستوى بين وفود إسلامية من رابطة العالم الإسلامي برئاسة الدكتور محمد العيسى إلى حاضرة الفاتيكان، واللقاء مع الدوائر المعنية بالحوار هناك، وتالياً زيارة وفد المجلس البابوي للحوار برئاسة الكاردينال جان لوي توران إلى المملكة العربية السعودية؛ في بادرة حوارية إنسانية رفيعة جداً، هي الأولى من نوعها مع الاستقبال الطيب الذي جرى على أرض المملكة للوفد الفاتيكاني.
عنوان الرسالة يوحي بالكثير جداً من المعاني الإيجابية الخلاقة «المسيحيون والمسلمون… من التنافس إلى التعاون»؛ ما يستدعي من الأفق علامة استفهام، «هل نحن مقبلون على قراءات مغايرة للأزمنة يحل فيها توجه إنساني حقيقي يرتكز إلى منطلقات إيمانية صادقة غير مغشوشة تدفع أتباع الأديان في طريق تعبيد مسيرة الإنسان بكل ما هو حق وخير وجميل وعادل… طريق تتقلص فيها العنصرية وتختفي من على دروبها ملامح ومعالم العنف والتطرف؟
رسالة الفاتيكان للعالم الإسلامي هذا العام مليئة بالخواطر التي تتعلق بجانب حيوي من العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، وفي مقدمتها التأسيس لمرحلة جديدة من التعاون، ولا سيما أن العلاقة بين الطرفين في الماضي اتسمت في كثير من الأحيان بروح المنافسة، تلك التي ولدت – ولا شك – عواقب سلبية معروفة لقارئ التاريخ، ومشاهدها ساكنة أحاجي الإنسانية منذ القرون الوسطى، وحتى ملامح ومعالم انتفاضة القوميات اليمينية والشوفينية في أوروبا وأميركا في حاضرات أيامنا.
تمثلت هذه الآثار السلبية في مظاهر وظواهر الغيرة والدعاوى المتبادلة جزافاً بين الجانبين؛ ما خلق توترات في العقول والقلوب، صاحبتها في بعض الحالات صدامات عنيفة، وقد تجذرت الخلافات على نحو غير مسبوق عندما تم استخدام الدين وتالياً استغلاله، وبنوع خاص من أجل تحقيق مصالح شخصية وإدراك منافع سياسية.
هذا التنافس الضار والمضر كان لا بد له، ومن أسف وأسى شديدين، أن ينعكس سلباً على صورة الأديان، التي جوهرها دائماً وأبداً هو الخير والصلاح، وبصورة حتمية على أتباعها بالمليارات حول العالم شرقاً وغرباً؛ الأمر الذي أفرز طرحاً غير حقيقي مفاده أن الأديان ليست مصدراً للسلام، بل على العكس من ذلك؛ إذ قدمها للناس على أنها مصدر لأسباب التوتر وأحياناً العنف، ومنطقياً الحروب التي تسفك فيها الدماء، لتسقط مشاعل التنوير والمودة في دروب العالم المظلم.
تهنئة الفاتيكان للعالم الإسلامي تسعى حثيثاً لدرء هذه الآثار السلبية المتقدمة، ومن أجل التغلب عليها، تذكر ملايين المسلمين والمسيحيين، وإن شئت الدقة قل نحو ثلاثة مليارات حول البسيطة، بأنه يتحتم علينا أن نتذكر القيم الدينية والأخلاقية التي تمثل قاسماً مشتركاً بيننا، ومن دون أن نغفل ما نختلف فيه، وفيما نحن نعترف بما نشترك فيه ونظهر الاحترام لاختلافاتنا المشروعة، يمكننا أن نرسخ بمزيد من الحزم أساساً متيناً لعلاقات سامية، وأن ننتقل من المنافسة والمواجهة إلى التعاون الفاعل من أجل الصالح العام.
يعي المجلس البابوي للحوار بين أتباع الأديان ما يعنيه الصوم من جهاد النفس أولاً، والعطف على الفقراء والمحتاجين، وكذا المتألمون والمضطهدون، والمحرومون من خيرات الأرض؛ ولهذا فإن الوجه الأنفع والأرفع للتعاون الفاعل البعيد عن المنافسة السلبية، يمكن أن يشمل أولاً هؤلاء؛ ما يجعل صومنا وصلواتنا، قرابيننا وذبائحنا، تصعد كرائحة بخور، تدلل على مصداقية إيماننا وعظمة روحانيتنا لحب الله عز وجل أولاً وأخيراً، وللبشرية جمعاء من ثم.
يعنّ للقارئ التساؤل أي مجالات يمكن فيها للمسيحيين والمسلمين حول العالم التعاون، وعلى هذا النحو الذي يدفع مسيرتنا نحو الله في السماء؟
أغلب الظن أن المسطح المتاح للكتابة يضيق عن السرد، لكن وبصورة جوهرية هناك المجال الثقافي الحضاري، ومن خلاله يمكن للمؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية تصحيح المفاهيم الخاطئة والصور المشوهة، والالتقاء عند حدود الجوامع المشتركة بين الثقافات والحضارات؛ ما يكشف الأخطاء التي وقعت فيها الأطراف والأطياف الفكرية على الجانبين طوال المسيرة الإنسانية الماضية.
هناك تعاون في المجال الديني؛ ما يعزز القيم الدينية وينشر الفضائل ومكارم الأخلاق ويقوي الإيمان بالمبادئ القومية التي جاءت بها الأديان السماوية، وفي زمن العولمة المنفلتة هذه يبقى فرض عين على رجال الدين توعية الناس بأخطار الانحراف الفكري والسلوكي، التطرف والغلو والجريمة بكل أنواعها.
ويبقى المجال الاقتصادي بدوره ملعباً فسيحاً ومتسعاً لإعادة توزيع خيرات أمنا الأرض بطريقة عادلة بحيث يتشارك الجميع لقمة الخبز، وفي زمن باتت فيه المجاعات عار الإنسانية عامة، وأصحاب الأديان التوحيدية خاصة، وعلى المسيحيين والمسلمين واجب أدبي وروحي يتصل بجهود التنمية الشاملة ودفعها قدماً، خصوصاً في الدول النامية، ومنع الاحتكار واستغلال واستنزاف الموارد الطبيعية والمواد الأولية للدول الفقيرة، وإقامة أسس جديدة للتجارة الدولية لضمان العدل والإنصاف.
ويبقى المجال السياسي فضاءً واسعاً لتعزيز العدالة الدولية والوقوف صفاً أمام الظلم الإنساني، والعمل على استتباب الأمن والسلم في ربوع العالم، ومحاربة الإرهاب، ودعم حق الشعوب في الدفاع عن سيادتها وتحرير أراضيها.
المسلمون والمسيحيون في رمضان، وفي كل زمان ومكان، مأمورون بتمجيد الخالق جل وعلا، وتعزيز الانسجام في مجتمعات متعددة الأعراق والديانات والثقافات بشكل متزايد.
نتمنى للجميع صياماً مثمراً… وعيداً سعيداً مقدماً.
المصدر: الشرق الأوسط