«داعش».. عصابةٌ لا دولة

آراء

هل يعني قتل الإرهابيين وزعمائهم وإجبار قادتهم على التراجع عن الأراضي التي يسيطرون عليها، القضاء تماماً على العمليات الإرهابية وإيقاف التطرف في العالم؟!

إذا كانت الإجابة بنعم، فإن هذه الإجابة بالنسبة إلى المراقبين تعني الابتعاد كثيراً عن قدرتنا على تقييم نتائج التجارب الإرهابية السابقة التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط من أفغانستان ومروراً بباكستان إلى كل من العراق وسوريا، حيث تستقر دولة «داعش» المتوهمة.

فتنظيم «داعش» -أقبح وجه إرهابي مرّ على الإنسانية حتى الآن- ليس تنظيماً مُبتكراً أو مستحدثاً، بل هو تطور «ممسوخ» لتنظيمات إرهابية سابقة مثل تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» الأفغانية. والشيء الجديد في «داعش» يتمثل فقط في نوعية جرائمه التي افتقرت إلى أدنى درجات الإنسانية، وفي مستوى الوحشية ضد ضحاياه، مثل عمليات الذبح والحرق أو الهجوم على دور العبادة، بما فيها المساجد.

آخر قادة تنظيم «داعش» الذين قتلوا كان أبو محمد العدناني، الأسبوع الماضي، كما أن التنظيم خسر ما يقارب نصف الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا، وصورته في الإعلام تأثرت ولم تعد كما كانت، صورة «الدولة التي لا تُغلب». ومع أن هذه الحقائق تدل على تطورات إيجابية في محاربة التنظيم، فإنها في المقابل مبررات كفيلة بأن تدفع بالتنظيم الإجرامي إلى القيام بعمليات إرهابية تفوق كمّاً ونوعاً الجرائم التي ارتكبها من قبل، وذلك من أجل المحافظة على صورته، على الأقل لفترة زمنية بسيطة. وهذا ما ينبغي الانتباه له.

واقعياً، إن تجربة سقوط حكومة «طالبان» ومقتل زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، تؤكدان أن الجماعة والتنظيم انتقلا من مرحلة الإضعاف بعد عمليات القصف الجوي لقوات التحالف بالطائرات دون طيار، إلى مجرد «فكرة» انتشرت لدى كثير من الناس في بقاع الأرض. وبالمثل، فقد انتشرت صور متعددة للعمليات الإرهابية، أبرزها الهجوم المباشر على أفراد المجتمع في أماكن غير متوقعة، وقد نفذها أفراد لا يرتبطون بـ«داعش» سوى بالتأييد، وهم الذين عُرفوا إعلامياً باسم «الذئاب المنفردة».

السلاح هو الوسيلة الأساسية في أي مواجهة مع التنظيمات الإرهابية أو المتطرفة، لكنها لا ينبغي لها أن تكون الوحيدة، فالمعالجة الشاملة لمثل هذه المشكلة تعني اتباع العديد من الوسائل التي تغطي أبعاداً مختلفة مثل البعد الأيديولوجي، والبعد العسكري، والبعد الأمني وكذلك السياسي. والقضاء على زعماء «داعش» أو أي تنظيم إرهابي لا يعني بالضرورة القضاء عليه، بل إنه يقود إلى تغير تكتيكات هذه التنظيمات، ومن ثم يجب أن تتغير أساليب المواجهة.

ليس من قبيل المبالغة القول بأن «داعش» أبدى طموحات أبعد من «طالبان» و«القاعدة» من خلال نوعية الجرائم وقوتها، وبالتالي لن يكون مستغرباً أن يجيء تنظيم آخر مستقبلاً بما هو أفظع مما أقدم عليه «داعش»، لهذا يعتقد كثيرون أن التحدي الأكبر لكل القوى السياسية هو إنضاج البعد الثقافي لدى المجتمع العربي، ومعه البعد الديني، باعتبارهما أفضل طريق لمنع انتشار مثل هذه التنظيمات، لأن ما يقوم به هؤلاء ليس من الدين، وهذا -بالطبع- مع عدم تجاهل البعدين العسكري والأمني.

إذا كان تنظيم «داعش» قدّم نفسه خلال الفترة الماضية في شكل دولة مكتملة الأركان (أرض/ جغرافيا، ودستور، وسيادة على الأرض، وحكومة «الخلافة»، وشعب)، على النقيض من الحركات الإرهابية الأخرى التي سبقته، فإن المؤشرات على الأرض تشير إلى أن كل تنظيم إرهابي يكون أشرس من سابقه، وبالتالي فمن المهم عدم الركون إلى فكرة الاكتفاء بالقضاء على قيادة التنظيم، رغم أهميتها، بل ينبغي أن تكون هناك مقاربة شاملة تشترك فيها المجتمعات قبل الحكومات.

ما يلزم أن نسلط الضوء عليه ونحن نناقش انحسار دولة «داعش»، هو التطور الحاصل في قدرات التنظيمات الإرهابية التي كانت تنتظر الحصول على تعليمات مباشرة من قادتها وزعمائها بتنفيذ العمليات، ثم أصبحت موالاة التنظيم أو تأييده كافية لاتخاذ كل فرد قرار تنفيذ العمليات بنفسه، في دلالة على أن العمليات الإرهابية لن تعرف حدوداً في المستقبل.

ما نراه اليوم من إرهاصات بقرب انتهاء إرهاب «داعش»، يذكرنا بإعلان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن أن الحرب على الإرهاب في العراق انتهت، وهو الأمر الذي يجعلنا لا نطمئن إلى نتائج انتهاء المعركة، بل إن من شأن هذه النتائج أن تدفع بنا إلى الاستعداد لمرحلة ما بعد «داعش» من ناحية احتماليةِ تشكُّلِ هيكل جديد للجماعات الإرهابية يجعلها أكثر تحرراً في اتخاذ القرارات، والقيام بأعمال مخيفة بناءً على «إبداعات» إجرامية جديدة.

المصدر: الإتحاد