عصاب الجائحة

آراء

أصبح العالم على مشارف أمل كبير في تحدي جائحة كورونا، والعثور على اللقاح الذي سيزيل الجراح، ويخفي النواح، ليشرق الصباح بأحسن ما نتوقعه وننتظره. ولكن ما يشغل البال الآن هي تلك الصورة السوداوية والمأساوية التي سيخلفها هذا الوباء، وما سيلاحق الناس من أشباح وسواسية ستقض مضاجعهم، وتسرب إلى صدورهم أوهاماً، ومجسمات خرافية لمرض أزعج، وأحرج، وغيّر معالم حياة وطرق معيشة، وأسلوب عمل، وفرق، ومزق، وأحرق، واخترق، وسرق، ومرق، وفسق، وأغرق الناس في بحيرات ضحلة وجعلهم يسترقون السمع لأي بارقة أمل، ويبحثون عن الفرح من خلف جدر، وحجب، وجعل الصغار قبل الكبار يحفظون هذا المصطلح الطبي، لكثرة تكراره وعجنه، وسحنه بين الألسن، أصبح العالم لا يصبح إلا على مشاهد تفري الروح، وتشخب النفس، وتذهب العقل، وتسلب البصيرة، وتجلب الخوف والذعر في النفوس.

كل هذا الزلزال الرهيب الذي حل في العالم، ووطأ أرضهم، وأغبش سماءهم، لن يختفي بهذه السهولة دون ردات وتوابع نفسية، تحتاج منا أن نكون على استعداد تام للقادم من جهة النوايا السيئة لهذا الوباء، علينا أن نهيئ أنفسنا لحماية شبابنا، وأطفالنا من الأبعاد النفسية التي ستترتب على الآثار التي سيلقيها هذا الوباء في طريق صغار البشر بالذات، هؤلاء الذين سوف يجدون أنفسهم في مغبة صور خيالية، وأجسام وهمية ستحوم من حولهم، وتزعج مقامهم، وتقلق حياتهم، وهو الأمر الطبيعي الذي يستوجب علينا مواجهته بصرامة وحزم، وذلك عن طريق التوعية الصحية، ونشر ثقافة ما بعد الأمراض الوبائية، وتوضيح الصورة المرضية وكيف يتم التخلص من تداعياتها، وكيف الاكتفاء بالمعلومة الصحية التي تسديها المؤسسة الصحية، والتي تولي اهتماماً بالغاً في هذا المجال.

نحن مطالبون جميعاً كأفراد ومؤسسات بأن نتكاتف، ونجتمع سوياً على بث الروح العالية، ورفع المعنويات لدى الناس، وترسيخ الثقة في نفوسهم، وعدم الوقوع في شرك الخدع البصرية وما تقذفه بعض الأفكار من خرافات، وأكاذيب لا تمت للواقع الصحي بصلة.

نحن أمام متطلبات واقع يستدعي أن نكون في ثبات، وأن نتقدم نحو المستقبل من دون رجفة أو خفة، نحن أمام هذا الواقع نحتاج إلى صحة شبابنا النفسية كما هي حاجتنا لهم وهم في صحة جسدية وعافية.

المستقبل يبشر بألف خير، ولكن هذه التباشير لن تكتمل دورتها إلا باكتمال الوعي لدينا بأهمية الاهتمام بالعامل النفسي، لأنه لا يقل شأناً بالنسبة لعامل الجسد فكلاهما رافدان لنهر واحد، وهو نهر العطاء في الميادين المختلفة.

المصدر: الاتحاد