مدينة خليفة الرائقة

آراء

تحت السماء الصافية، وهي ترتدي وشاحاً أزرق منمقاً بفصوص النجوم الفضية، في الليل المنسدل كخيمة عملاقة، تخبئ أسرارها في معطف الذين تبهجهم قصيدة الطير الهاجع في أعشاشه تحت مخمل الأوراق الندية، هنا تشعر وكأنك في رحلة سرمدية، في سفر عبر مشاعر توهجت، وأسفرت عن حالة استثنائية تجعلك تمارس النيرفانا، وكأنك تلبس قبعة زمن سريالي عميق الجذور.

فجأة تنفجر بالونة مدوية وأنت في كونك المغمور في حاشية العزلة، تنهض من مكانك مفزوعاً، ضجراً، متذمراً برماً، وقد ارتعدت فرائصك، وارتعشت أطرافك، وتحولت السكينة إلى قيامة مفتعلة، الجاني فيها شخص ما فكر أن يتسلى في الشارع، فصار يسحق الأسفلت، بمخالب مركبة أشبه بطبق طائر، مشوه، حيث بدت تلك المركبة، بمعالم غامضة، وحتى لو حاولت تقصي شكلها لعجزت عيناك أن تفند مكونات هذه المركبة التي فكر صاحبها في أن يحولها إلى كائن مبهم، مريع، بدءاً من العجلات الأشبه بكائن ضخم، غريب، عجيب، مريب، رهيب، حط من علٍ، ونزل على الأسفلت يحفر القار، كما يمخر أفئدة الساكنين، أما جسم العربة فيبدو مثل الجرادة الخضراء، وهي تمتص السكينة، لتحيلها إلى فوضى عارمة، وتجعل الناس في حيرة من هذه القيم المنبعثة من نفايات التاريخ، والمنبجسة من قمامات يرميها أشخاص خرجوا من منازلهم، تاركين ضمائرهم في صناديق الفضلات، ويسيرون في الشوارع مثل الهوام، مثل كائنات تركت أصحابها، وهامت في الطرقات، لتثير الهرج والمرج، وتحول المدينة الجميلة إلى مكان للتنفيس عن أمراض نفسية عضال، والتعبير عن مركبات نقص يتعوذ منها «الشيطان» والعبث بعدمية فظيعة، ودونية مفزعة، ولا مبالاة بما تسببه هذه التصرفات بما قد يعانيه طفل هاجع بسلام، أو مريض أتعبه الألم فنام لعلّ وعسى يصبح مع أمل التشافي.

هؤلاء الأشخاص محملون بعدوانية كريهة، مخالبها من صدأ التربية المشينة، والعلاقات الأسرية المشبوهة، هؤلاء يعيشون مراحل ما بعد الفراغ، هؤلاء نفوسهم لا تنشرح إلا عندما تضج أصوات العجلات في أسماعهم، ليشعروا بالسعادة، ولا ينتابهم السغب، إلا عندما ينهرهم أحد، أو تتصدى لهم شرطة المرور.

مدينة خليفة الرائقة لا تستحق هذه السمات الأخلاقية لدى البعض، والذين تسلحوا بالعربدة في أنصاف الليالي، ليكونوا هم حراس القلق، والأرق، في مدينة رسمت كأنها الحلم في ذاكرة أعظم مبدعي الفن التشكيلي.

المصدر: الاتحاد