محمد الحمادي
محمد الحمادي
رئيس تحرير صحيفة الاتحاد

انتهت اللعبة.. رسالتي للشعب القطري ولكل عربي

آراء

قطر غير قادرة على استيعاب الواقع الجديد، ولا تريد أن تصدق أن الحليف الأميركي الذي كانت تلعب معه في المنطقة لم يعد موجوداً تماماً، بل نقيضه هو الموجود، لذا فإنها فرحت كثيراً بالأمس، عندما وقعت الولايات المتحدة الأميركية صفقة طائرات إف 15، ظناً منها أنها ما زالت حليفاً، والحقيقة أن هذا هو التزام مؤسساتي في الولايات المتحدة لا يمكن أن تتراجع عنه، والمهم لأميركا هو أن هناك 12 مليار دولار دخلت الخزينة الأميركية، وأصبحت الإدارة الأميركية على ثقة بأن هذا المبلغ لن يذهب لتمويل جماعات إرهابية أو تمويل الإخوان، أو يوضع في حقائب وتترك في مطارات العالم!!

بعد مرور أسبوعين على إعلان أربع دول عربية هي السعودية، والإمارات، ومصر، والبحرين وبعض الدول الأخرى في يوم الاثنين 5 يونيو 2017 قطع علاقاتها مع قطر أصبح من المهم أن نذكر وبشكل بسيط ومبسط ما الذي فعلته قطر لتتلقى هذه الضربة القوية من أقرب شقيقاتها ولتدفع هذا الثمن الباهظ لأخطاء ارتكبتها، ولماذا يبدو الحل والوساطة صعبين هذه المرة بل مستحيلين؟

بكل بساطة وبدون تعقيدات سياسية ودبلوماسية، فإن دولة قطر الصغيرة تم استخدامها وبرضاها التام وبقبول قيادتها للعب دور تبين أنه أكبر منها بكثير، وأصل الحكاية يعود إلى قبل عقدين تقريباً، وبدايتها تعود لما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، ففي تلك الفترة كانت أميركا العظيمة جريحة، وكانت كرامتها قد تلطخت بالتراب بسبب الهجوم الإرهابي عليها بطائرات مدنية اختطفها عدد من الإرهابيين وتسببت بمقتل آلاف الأشخاص، على يد تنظيم القاعدة، بعد اصطدامها ببرجي التجارة العالمي في نيويورك، أرادت أميركا أن تنتقم وفي نفس الوقت أرادت أن تحمي أراضيها من أي هجوم إرهابي محتمل مستقبلاً، وفي سبيل ذلك بحثت عن الحلول الممكنة، فبعد أن أعلنت الحرب على أفغانستان لقتل أتباع بن لادن، بحثت عن حلول أخرى جاء أحدها من الشقيقة الصغيرة قطر، مفاد هذا الحل أن مشكلة الإرهابيين أنهم مجموعات إسلامية تطرفت لأنها ظُلمت ولم تحصل على حقوقها، وهذه المجموعات تحمل أميركا جزءاً من المسؤولية، لأنها تحمي الأنظمة التي تحاربها، لذا فإذا ما احتوتهم الولايات المتحدة ورفعت عنهم الظلم وساعدتهم على الحصول على حقوقهم، ووصلوا إلى الحكم فإنها ستضرب عصفورين بحجر واحد، الأول أنها ستنتهي من مشكلة الإرهاب الإسلامي الموجه ضد أميركا والغرب، وفي نفس الوقت ستحمي نفسها من أي هجمات إرهابية محتملة في المستقبل، والأمر الآخر أنها ستتخلص من الحكومات والأنظمة «الديكتاتورية» في المنطقة وستتمكن من نشر الديمقراطية في المنطقة وتخلق شرق أوسط جديداً.

يا لها من فكرة رائعة بهذه البساطة وبهذا الحل القطري الإخواني السحري ستنتهي كل مشاكل أميركا، وفي نفس الوقت ستتحقق أحلام الديمقراطية في الشرق الأوسط، ووثق البعض في الإدارات الأميركية السابقة بالنظرية القطرية وتبنوها، وخصوصاً أن الدوحة روجت للنموذج التركي الناجح بقيادة حزب العدالة والتنمية الإخواني، مما جعل متخذي القرار في الولايات المتحدة يقتنعون بالفكرة ويتبنونها ويعلنون دعمها، ومن ثم جاء دور التنفيذ، فعلى يد من يكون التنفيذ؟ الإجابة كانت سريعة، على يد الأمير المتحفز الباحث عن دور ومكان لإمارته الصغيرة، فعلى يد أمير قطر حمد بن خليفة وبأموال قطر التي تفيض عن حاجة شعبها، سيتم تنفيذ هذا المخطط، فأميركا لن تخسر شيئاً، أما قطر فيبدو أنها في نظر أميرها ستكون مستفيدة، فهي تبحث عن دور إقليمي أكبر، ويبدو أن الفرصة قد جاءتها لتنتقم من بعض أشقائها الذين يبدو أنهم يزعجونها بتاريخهم وبمساحاتهم وبإمكانياتهم وبنجاحاتهم المستمرة التي تستطيع قطر أن تجاريهم بها.

بدأت اللعبة، وبدأ المال القطري يتحرك وكان الرهان على «رأس الشر» جماعة الإخوان المسلمين التي تم تسويقها على أنها جماعة إسلامية معتدلة ومتسامحة، وبدأ التنفيذ من خلال استخدام وسائل الإعلام ومن خلال المنظمات الحقوقية الدولية لزعزعة أمن واستقرار الدول من الداخل، وذلك من خلال تجنيد وتدريب الشباب في كل الدول العربية، والحجة، هي أن تلك الدول تعاني من الفساد والبطالة والديكتاتورية، وأن هدف الشباب هو الإصلاح والتغيير، وكلها كانت شعارات براقة ورائعة ينخدع بها أي شاب محب لوطنه ويطمح لمستقبل أفضل.

الصديق الأميركي كان يتابع بهدوء ما تفعله الدوحة، وخصوصاً أن الخطة تسير حسب ما هو مرسوم لها، ومع بداية عام 2011 تبدأ ساعة الصفر، وينطلق ما سمي الربيع العربي في تونس، ويسقط نظام بن علي في أيام ثم يليه النظام المصري الحليف القوي لأميركا الذي سقط في لمح البصر، ثم ليبيا وبدأت النار تشتعل في اليمن وفي سوريا، وأصابت حمى الربيع العربي كل الدول العربية، بلا استثناء -إلا قطر-. في تلك الأيام كانت الشقيقة قطر تنفذ والصديق الأميركي يتابع بكل زهو ويصفق لنجاح تجربته التي راهن عليها ووضع كل البيض في سلة واحدة… إلى أن وصل مرسي إلى كرسي الحكم في مصر، وبدأ حكم الإخوان في تونس، لينكشف للعالم من هم الإخوان، وما هي طريقة حكمهم وأسلوبهم وعقيدتهم السياسية والإنسانية، ورأت أميركا عكس ما سمعت، فرفض الجماهير لهم كان واضحاً، وهذا عكس ما كانت تروج له الدوحة، حيث كانت تقول إن الشارع العربي مع الإسلام السياسي ويؤيده تماماً، وهو ما لم يكن صحيحاً، حيث فاز مرسي بصعوبة، ويقال إنه فاز بضغط أميركي، ثم ما لبث أن سقط بعد عام واحد فقط في ثورة الثلاثين من يونيو، بعد أن تمرد عليه الشعب، وتم خلع مرسي والإخوان من مصر نهائياً وبعد ذلك بدأ يسقط المشروع المتأسلم والإخواني واحداً تلو الآخر، لينهار الحلم الأميركي ولينكشف خطأ النظرية القطرية في دعم الإسلام السياسي، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن تورطت أميركا في هذا الوضع ولم تستطع إدارة أوباما أن تتراجع، وهذا ما يفسر إصرارها على دعم الإخوان حتى آخر لحظة، وهذا ما يفسر حزن وصدمة وجنون الإخوان لخسارة هيلاري كلينتون التي كانت المسمار الأخير في نعشهم المكسور، فهم يدركون أن خسارة الديمقراطيين نهاية حتمية لهم وانكشاف لكل مخططاتهم.

إدارة ترامب اكتشفت كل شيء، ورفضت إكمال عبث الرهان على جماعات إرهابية لإدارة الحكم في دول ذات سيادة، وتضم مؤسسات وقوانين وتتعاون مع المجتمع الدولي ودول العالم، وهي تعلم أن الإسلاميين ليسوا أفضل الحلول لإدارة الحكم في المنطقة، بل هم الأسوأ على الإطلاق، ويستحيل أن يكونوا البديل لأنظمة الحكم الحالية، لقد رفضت إدارة ترامب التعامل مع الإخوان الملطخة أيديهم بالدماء، والذين خرجت من تحت عباءتهم الجماعات الإرهابية المتطرفة ابتداءً بالقاعدة وانتهاء بداعش وأخواتها.

هذه هي قصة قطر، قصة الأمير الذي انقلب على والده، ثم انقلب على أهله وجيرانه من دول الخليج، ثم انقلب على أشقائه العرب، لم يتردد في طعنهم في الظهر، وتآمر مع الغريب الأميركي والإيراني عليهم، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن الغريب انقلب عليه وباعه «ببلاش»، لذا فلا الصراخ ينفع ولا الكذب يفيد.

الحقيقة التي لا تريد أن تعترف بها قطر، هي أنها في خطر حقيقي، وأن أميركا لم تعد معها، وأن الديمقراطيين الذين تعتقد أنهم حلفاؤها في واشنطن لم يعد لهم وجود، فالوحيد الذي له وجود حقيقي اليوم هو الملك سلمان والمملكة العربية السعودية، وهو قريب منها، وهنا على بعد مئات الكيلومترات يكمن الحل، ومن هنا تستطيع أن تنقذ نفسها من الورطة الكبيرة والمصيبة العظيمة التي وضعت نفسها فيها، فمتى تدرك ذلك؟! ومتى تستوعب أنها لبست ثوباً أكبر من ثوبها، ولعبت دوراً أكبر من حجمها، وقامت بما لا يليق بها؟! قطر أمام خيار واحد ووحيد، وهو أن تعترف بحجمها الحقيقي ودورها الحقيقي وتعود إلى الحضن الخليجي والبيت العربي الكبير وتترك عنها أحلام اليقظة وجنون العظمة، وأن تعترف أنها دولة صغيرة جداً لا يمكن أن يكون لها دور مع الكبار، إلا إذا كانت وسط أشقائها العرب، فهي تكبر بهم وتضيع بدونهم.

لقد قلناها منذ اليوم الأول ونكررها «انتهت اللعبة»، وحفلة الزار والجنون والمجون انتهت إلى الأبد، وورقة قطر احترقت، فمتى تفهم ذلك؟ ومتى تتوقف الحكومة القطرية عن حملة العلاقات العامة الفاشلة التي لن تفيد إلا تلك الشركات الأجنبية التي تستغل قطر وتمتص ثرواتها حتى آخر قطرة، لتدير حملة التشوش والتشويه الداخلية والخارجية لتلميع حكومة قطر، وهي تدرك أن المشروع القطري قد انتهى، وهذا ما يجب أن تفهمه قطر، فاللعبة انتهت ودورها انتهى، وأن الصمت عن دعمها للجماعات الإرهابية لن يستمر مهما كانت المبررات، والذي يجب أن تعترف به قطر هو أن مشروعها فشل فشلاً ذريعاً، بعد أن أتى بالويلات على الأمة العربية والإسلامية بل وعلى العالم أجمع.

أعرف أن البعض قد يعتبر ما كتبته اليوم وما أكتبه كلاماً قاسياً جداً ومؤلماً، ولكن ما هو أقسى من هذا الكلام هو أن نسمح للدوحة بالعبث في المنطقة والاستمرار في دعم وتمويل الإرهاب والاستمرار في التحريض وتأزيم الأوضاع في الدول العربية.

المصدر: الاتحاد