أحمد الحناكي
أحمد الحناكي
كاتب في صحيفة الحياة اللندنية

أميركا شيطان أكبر .. أم واحة ديموقراطية؟

آراء

باختصار، أميركا هي كلا الاثنين؛ فلدى الولايات المتحدة وجهان مختلفان كجيكل وهايد، فالسياسة الخارجية الأميركية تركز على أميركا وأمنها ومصالحها، ووضع ذلك فوق أي اعتبار آخر، سواءً حليف أم شريك أم صديق، وبعيداً عن أي مبدأ أو قيم أخلاقية أو إنسانية أو معارض لحقوق الإنسان.

التاريخ هو من علّمنا ذلك وبوضوح لا تشوبه شائبة، ولعل تعامل أميركا مع قضايا عدة على مدى تاريخها أثبت ذلك، سواءً في الحرب العالمية الثانية عندما قصفت هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية في جريمة لا مثيل لها على مدار العصور، أم في غزواتها واحتلالها لفيتنام والفظائع التي ارتكبتها هناك، أم لدعمها المطلق للاحتلال في فلسطين، أم حصارها كوبا مدة 50 عاماً، أم تدبيرها انقلاب بينوشيه في شيلي ضد رئيس منتخب ديموقراطياً، وتدبيرها الإطاحة بمصدق في إيران، أم قرينادا، أم احتلال العراق وتدميره وتمزيقه طائفياً ومن ثم المغادرة. لا أنسى حربها على أفغانستان، وتدخلاتها في اليمن وليبيا، ناهيك عن دور استخباراتها في أميركا الجنوبية والوسطى، مروراً بتجسسها على حلفائها في أوروبا وغيرها.

تخلل تلك الممارسات الأميركية ذلك التعامل مع الديكتاتوريين من حلفائها الذين ثارت عليهم شعوبهم وموقفها الغريب من ذلك، سواء مع شاه إيران أم جعفر النميري أم ماركوس الفيليبين، إذ تبيعهم في أقرب صفقة يكون فيها هي الرابحة بعد أن تدعمهم ضد شعوبهم. والكل يعرف لاحقاً أنها كانت من المستفيدين جداً من حرب العراق وإيران التي استمرت ثماني سنوات، سواءً بإضعافها لجيشي البلدين أم بيعها أسلحة للطرفين «كانت تبيع العراق مباشرة أو عن طريق دول الخليج، بينما تفجرت فضيحة الكونترا التي باعت فيها أسلحة لإيران عبر الكيان المحتل».

أما حربها لتحرير الكويت فجميعنا يعلم أنها ضربت المواقع المدنية أكثر من العسكرية! والهدف كان معروفاً، فبعد التحرير من سيتولى إعادة الإعمار وبصفقات يسيل لها اللعاب غير الشركات الأميركية بنصيب الأسد وبقية الفتات للحلفاء؟

كل هذا وجه شيطاني لا شك فيه، ولكن ماذا عن الداخل؟ درست وزوجتي في أميركا نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، كانت من أجمل الأيام التي عشناها في حياتنا (بالمناسبة ذلك قبل تفجيرات 11 سبتمبر 2001)، عشنا في مدينة جامعية صغيرة في ولاية غرب فرجينيا، ودرسنا الماجستير في جامعة بها. عندما ولد ابننا الأول أصبح أميركياً بحسب النظام، وتم التعامل لاستخراج جواز له في منتهى السلاسة، فهو في نظرهم الآن من مواطني الدولة الأقوى في العالم، وكل الخدمات يجب أن تسخّر لرضاه. ابني لم ينشأ هناك ورجعنا وهو صغير، لكن المواطن الأميركي ينشأ وهو يظن أن أميركا هي العالم، وأن الأخطاء التي تحدث في دول أخرى خارج أميركا يجب أن تصحح بواسطتهم.

صحيح أن هذا المواطن وبالذات في المدن الصغيرة لطيف المعشر طلق المحيا، إلا أن التسهيلات والخدمات واحترام حقوقه الإنسانية وحرية التعبير تجعله لاحقاً يحرص على عدم انتهاك هذه الحقوق، حتى عندما يسافر إلى خارج أميركا يفاجأ بعدها بأن بلده يحمل سمعة سيئة لدى الشعوب الأخرى، لكن إجمالاً الداخل الأميركي واحة ديموقراطية للمواطن الأميركي تحديداً.

الحديث عما أثارته وسائل الإعلام الأميركية عن المملكة والتهديد بأنها ستبيع أصولها في حالة ربط المملكة بأحداث الـ11 من سبتمبر ليست دخاناً بلا نار، على رغم أن أوباما صرّح بأنه سيستخدم حق الفيتو لرفض رفع الحصانة، لكنه قال أيضاً إن المملكة لن تضر مصالحها ومصالح أميركا في حالة مرر القانون في الكونغرس، وذلك يعني – بالمختصر- تلاعباً بالألفاظ ونوعاً من الابتزاز، فالأميركان يعلمون قطعاً أنه لا علاقة للمملكة بالتفجيرات، ناهيك أن التفجيرات أضرتها وشعبها أكثر من أي دولة أخرى. الأمر الآخر أن رفع الحصانة سابقة خطيرة؛ لأن للمملكة في هذه الحالة الحق في رفع الحصانة عن الديبلوماسيين الأميركيين، خصوصاً أن الموضوع قد قارب الـ15 عاماً. عموماً، أميركا تريد أن تبرهن على غطرستها وتمرير ما تريد، ضاربة بعرض الحائط القوانين الدولية واستطاعت ذلك. أتصور أن تمرير القانون في الكونغرس أو عدم تمريره لن يمر عبثاً، وسيعزز الشكوك وعدم الثقة التي ستهز علاقة أميركا بالمملكة أو بحلفائها عموماً.

المصدر: الحياة