إعادة بناء التفكير في القضية الفلسطينية

آراء

كيف يفكر الشارع السعودي والإماراتي والمصري والعراقي في القضية الفلسطينية، ولماذا يحمل الشارع العربي في معظمه قاموسا واحدا من الجمل والتعبيرات وحتى المفردات حين يتحدث عن فلسطين؟

يكاد يختفي من ذلك القاموس كل البعد السياسي للقضية وحتى البعد التاريخي ويهيمن عليها بعد واحد هو البعد الديني، وهو ما أدى لإضعاف القضية وربطها بالموقف والقناعة الدينية الوجدانية أكثر من ربطها بالموقف السياسي العملي الذي يستوعب الواقع والتحولات ويبحث عن الحلول.

كانت أبرز أسباب ذلك الواقع أن العدو أصلا لديه ذات الجوانب الدينية المرجعية في فهمه للقضية؛ إنها وعد قادم من التوراة بأحقية اليهود في تلك الأرض، وفيما شهد الخطاب الديني اليهودي في التعامل مع القضية الفلسطينية تراجعا فعليا لحساب الخطاب السياسي، كانت المعادلة على العكس من ذلك في الواقع العربي؛ تراجع في اللغة الواقعية السياسية واتساع للقاموس الديني الذي دخل مبكرا في تنافس مع خطاب آخر هو الخطاب القومي العروبي، ولكلا الخطابين عيوبه ودوره في تراكم الخسائر التي شهدتها القضية.

توطدت الدولة الوطنية في العالم العربي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وباتت قضايا الحدود والاستقرار والتنمية هي أبرز قضايا تلك الدول، وكلها قضايا يمكن تصنيفها وتحديد المعنيين بها، هنا وفِي ظل الدولة الوطنية كيف يمكن إدارة قضية لا تصنيف لها وتقع خارج حدود كل دولة والكل معني بها وجدانيا وعاطفيا وقوميا ودينيا. مصر، الأردن، لبنان بلدان مجاورة لفلسطين كانت لارتدادات تلك القضية تأثيرات أمنية وعسكرية كبرى عليها أدت في كثير من الأحيان لتهديد أمن وبقاء تلك الكيانات، كان التوجه الأنسب هو حماية تلك الكيانات من التأثيرات الناجمة عن قيامها بأداء أدوار لصالح القضية الفلسطينية، لم يكن أمامها إلا العمل على حماية وحفظ دولها الوطنية وانتهى المطاف بالكثير منها لعقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل، كانت الاتفاقيات ذكية ومفيدة للحفاظ على أمنها الوطني لكنها لم تكن كذلك بالنسبة للتفكير القومي أو الديني الذي ظل يراها اتفاقيات خذلان وهزيمة وتخلٍ عن القضية الفلسطينية.

هذا تحول جديد مفاده: أنه للحفاظ على الدولة الوطنية لا بد من استيعاب الواقع. أدى ذلك إلى ترسيخ أن العمل السياسي والدولي هو الخيار الأبرز لتحقيق أي انفراج في القضية الفلسطينية وظهر تبعا لذلك مستويان من التعامل: المستوى المباشر وذلك من خلال الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل والمستوى الدولي غير المباشر وذلك مع القوى العظمى الداعمة لإسرائيل، كان أبرز موقف في المستوى الثاني هو الذي اتخذه جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله حين اتجه لاستخدام ورقة ضغط كبرى ومفاجئة تتمثل في التهديد بوقف إمدادات النفط العام ١٩٧٣.

بعد ذلك التاريخ بست سنوات دخل لاعب جديد في القضية وفي المنطقة ومثل اللاعب السيئ والأكثر إضرارا ومتاجرة بالقضية؛ الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي جعلت من القضية عامل شرعية لها في العالم الإسلامي.

تمثلت أولى خطواتها في الخروج بالقضية من بعدها العربي الشرق أوسطي إلى جعلها قضية إسلامية، فاقم ذلك الأمر من حالة التشظي التي يشهدها الملف أصلا، واتجهت لدعم حركات وخطابات الإسلام السياسي التي ركزت على إسلامية المعركة وتحويلها إلى شعار وعنوان وتعرضت منذ ذلك الوقت كل القضية الفلسطينية لأسوأ عملية استغلال وتوظيف سياسي وحركي.

اتخذت جماعات الإسلام السياسي من القضية الفلسطينية عامل تجييش للشارع العربي ضد حكوماته، وروجت الانطباع العام بأنهم باعوا القضية وخذلوا الأمة، وعاد القاموس العاطفي للانتشار مجددا واكتسح كل القواميس والخطابات السياسية الرشيدة، وبات ذلك الاستغلال البشع للقضية محور كل الأحزاب والجماعات السياسية الدينية؛ حزب الله، الإخوان المسلمين (انتشرت تسميات القدس والأقصى للكتائب والأجهزة الميليشياوية لتلك الجماعات) ودخل ذلك الخطاب إلى التعليم والإعلام والمنبر في العالم العربي والإسلامي، وأصبح الصوت الأعلى في الحديث والتجييش من أجل القضية هو الأكثر كذبا وتجنيا عليها والأقل نفعا لها وللفلسطينيين بشكل عام.

جاءت أحداث الفوضى التي شهدتها المنطقة منذ العام ٢٠١١ وجعلت فلسطين قضية في آخر القائمة، وانشغلت إيران وجماعات الإسلام السياسي بتحقيق المكاسب التي ظلت تخطط لها طيلة تلك السنوات، والتي لم يكن من بينها ما يمثل أية جدوى للقضية الفلسطينية.

لعبت الدولة الوطنية بالمقابل أدوارا حقيقية ومؤثرة، وتقدمت السعودية مثلا بمبادرات تاريخية تهدف لحل القضية إقليميا ودعمت التنمية والجوانب الإنسانية في فلسطين، ومع ذلك لم توظف القضية لأي مصلحة خاصة، فليست لديها مشكلة في الشرعية لتتكئ على هذه القضية، وفِي ذات الوقت عملت مع العالم لخدمة القضية وتخليصها من كونها بضاعة سياسية للمتاجرين بها.

الْيَوْمَ ومع القرار الأمريكي بتسمية القدس عاصمة لإسرائيل تظهر الخسائر الكبرى في صفوف اللاعبين على وتر القضية، ويظهر كيف أضر ذلك التوظيف السياسي للقضية بمستقبلها.

خروج حركة حماس من المشهد والتفاف العالم الرافض لهذه الخطوة الأمريكية ربما يسهم في العمل على إيجاد حل حقيقي ينطلق من المبادرة العربية، وكل ذلك سيتم بعيدا عن العابثين بالقضية في طهران والدوحة والضاحية أيضا الذين أنهكوا القضية وتاجروا بها.

المصدر: عكاظ