أحمد الحناكي
أحمد الحناكي
كاتب في صحيفة الحياة اللندنية

«الإسلاميون».. والكره لـ«أميركا»

آراء

هل من حق الإسلاميين كُره أميركا أو سياستها؟ كان هذا السؤال موضع تساؤل جمعني مع أصدقاء كثر وتجادلنا حوله كثيراً، فمنّا من تفهّم هذا الكُره، ومنّا من شجب هذا الكره، ومنّا من اندهش من كُرهٍ كان من المفترض أن يكون عشقاً، إلا أن أكثر جدلاً حدث عندما أصرّ أحدنا على أن الإسلاميين لا يكرهون أميركا.

لنبدأ القصة من يومها الأول، فعلاقة الإسلام بأميركا بدأت تقريباً منذ الخمسينات عندما تقاطعت مصالحها مع العدو المحتل من جهة، ونفورها من خطورة الكاريزمية الناصرية التي شكلت خطراً على المصالح الأميركية من جهة أخرى، ومن جانب آخر كانت الولايات المتحدة تسيل لعاباً على الثروات المكتنزة في المملكة العربية السعودية من الذهب الأسود.

الأميركان عموماً يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون، وبالتالي ومن تجارب عدة لا يجب أن نهتم إلا لأفعالهم لا لأقوالهم، فماذا فعلوا للإسلاميين لكي يكرهوهم؟ يقول زيد بن عبيد إن أميركا تحارب الإسلام منذ نشأته، ويبدو أن زيداً مازال طفلاً في مهده، فأميركا تهتم بالمقام الأول بتضخم دولارها وهيمنتها ونفوذها، وفي هذه الحالة لا يهمهما أن تتحالف مع مسلم أو ديكتاتور أو شيوعي أو منافق أو آفاق أو مرتش أو أي كان، ولا ننسى أن أميركا في سبيل طرد النفوذ السوفياتي من أفغانستان دعمت الإسلاميين والدول العربية والأحزاب الأفغانية الإسلامية والقاعدة، وليس آخرها دعمهم لإسلاميي مصر.

الإسلاميون في المقابل، لا يهمهم العامل الإنساني أو الاجتماعي أو السياسي للكُره أو الحب، بل إن اهتمامهم هو في مساندة من ديانته الإسلام، حتى لو كان دجالاً مثل ضياء الحق، أو نصاباً مثل جعفر نميري، أو أفاقاً مثل صدام في سنواته الأخيرة. كُره الإسلامي لأميركا سببه الوحيد هو أن أميركا تمثل انفتاحاً يكرهونه، وحرية ينفرون منها، وتمرداً يرونه نزقاً وترفاً لا يليق، لكنهم لم ينظروا إلى الجانب المرعب في السياسة الأميركية، وحتى خلافهم الرئيس مع أميركا في فلسطين المحتلة سببه منظمة حماس، فمن قبل حماس لم يكونوا يفكرون بفلسطين، ولو انتهت حماس لنسوا فلسطين، فحماسهم الطاغي لحكمتيار ومجددي وشاه مسعود ورباني الذين قاتلوا في سبيل سلطتهم، يقابله كره شديد لعبدالناصر ونهرو وغاندي وسوكارنوا وكاسترو، على رغم أن الأخيرين يضعون أوطانهم قبل كل شيء. ذلك الشعور الإنساني النابع من إيمان عميق بالسلام لم يتشرب إلى كثير من الإسلاميين المتطرفين، مع الإصرار أن هناك من المسلمين الصادقين الذين يهمهم انتشار الإسلام ويضحون في سبيل ذلك بالمال والصحة والأسرة، وليس هناك أوضح في رأيي من الداعية الكويتي الراحل عبدالرحمن السميط.

ولعل كره الإسلاميين المتطرفين لإيران الذي أصبح يتجاوز كرههم للعدو المحتل يعطي مثالاً صادقاً لطبيعة تفكيرهم، فلا يوجد مآخذ على هذا الشعور تجاه إيران لو كان السبب سياسياً، فالكثير من الدول العربية أو حتى غير العربية تعاني وتتوجس من النظرة التوسعية لإيران، لكن كره الإسلاميين (طبعاً غير الشيعة المتطرفين) سببه طائفي بحت، والغريب أنهم انحازوا بقوة مع صدام في حرب الثماني سنوات، على رغم أنه بعثي لا علاقة له بالدين، لكن الكره الطائفي لديهم فوق كل وطن. لكي تتيقن من هذا التناقض اسأل أي إسلامي سياسي عن موقفه من المعارضة التركية، إذ تجده ضدها، بينما في المقابل يبيح لتركيا ممثلة بأردوغان كل المحظورات والممنوعات سياسياً كان أم اجتماعياً، فقط لأنه مسلم على رغم أنه يترأس من خلال دستور علماني.

لهذا السبب تحديداً، من الخطورة أن يتولى الإسلاميون، فهم يختزلون الأوطان، ونظرتهم لمستقبل الشعوب يحدوها طموح مستحيل هو الخلافة الإسلامية، لذا يكرهون كل ما هو علماني مهما كانت عظمته، ويقدسون كل ما هو إسلامي حتى لو كان «داعشياً».

المصدر: الحياة