فايد العليوي
فايد العليوي
مدون سعودي، بكالوريوس لغة عربية من كلية المعلمين بالأحساء، حاصل على جائزة الأمير محمد بن فهد للتفوق العلمي، له مؤلف جديد تحت الطبع حاليا

الدولة الأموية لم تسقط على أيدي العباسيين!

آراء

مازال المسلمون يعتقدون أن الدولة الأموية سقطت فعلاً على أيدي بني العباس! وأن الدولة العباسية قامت على أنقاض الدولة الأموية بفعل الدعوة السرية وعدد من العوامل الأخرى، ونجحت باقتلاع البيت الأموي من رأس الدولة بعد ثمانين عاماً من الحكم. هكذا يردد بكل سطحية وكأن سقوط الدول يجري بهذه الصورة تماماً كما لو أن الأمر نزهة. لكن المعطيات التاريخية تنقل لنا مآل الدولة الأموية والسبب المباشر في سقوطها. وإلا فالدعوة العباسية كانت قائمة طيلة ثلاثين عاماً قبل أن تنجح في انتهاز الفرصة للوصول للخلافة.

بداية لم يكن لآل عباس أدنى طموح سياسي، إذ إن الطموح كان في البيت العلوي، لكن عندما توفي محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، تولى «الأمر» ابنه عبدالله، الذي لم يمهله الموت طويلاً، فقد قيل إنه مات مسموماً على يد سليمان بن عبدالملك، فعندما أحس بدنو أجله أوصى بالأمر لابن عمه علي بن عبدالله بن عباس. ومنذ ذلك اليوم انخرط آل عباس في السياسة حتى نجحوا في الوصول للخلافة وأقصوا العلويين عنها بعد ذلك! وقد ظلت دعوتهم سرية طيلة ثلاثين عاماً كما ذكرت.

أما الدولة الأموية فكان السبب الرئيس في السقوط هو الصراع داخل النظام السياسي وعدم مقاومته صيرورة الحياة، فالنظام السياسي التقليدي القائم على حكم الأفراد لا يحيد عن نظرية ابن خلدون حول مآل الدولة الحتمي. فبعد وفاة هشام بن عبدالملك آخر الخلفاء الأقوياء بدأ الصراع داخل البيت الأموي يظهر جلياً، إذ خلفه الوليد بن يزيد الذي شرع في تصفية الموالين لأحد أبناء هشام، ثم ما لبث هذا الوليد أن ثار عليه يزيد بن الوليد المسمى بالناقص، وهكذا فكل ردة فعل داخل البيت الحاكم تُسهم في توسيع الهوة وتصدع النظام السياسي برمته.

الأمر الذي بالطبع شجّع ظهور الفتن والحركات السرية.
فطبيعة الوصول للخلافة بطريقة الغلبة لا الاختيار من قِبل البيت الأموي والاستئثار بالمال العام وتعطيل الشورى والتنكيل بالمخالفين ورميهم بالتهم الدينية كالقدرية وغيرها، قد أسهم بالفعل في وجود حالة غبن سياسي واقتصادي واجتماعي. الأمر الذي أدى تلقائياً إلى وجود حركات وتنظيمات سرية كالدعوة العباسية، وكذلك هيأ ذلك المناخ السياسي الموبوء وجود حالة من التربص لاقتناص أدنى فرصة تشير إلى ضعف البيت الحاكم.

وبالفعل فبمجرد تصدع البيت الأموي قامت الفتن والثورات على دولة الخلافة، الأمر الذي جعل الناس يسمون آخر خلفاء الدولة الأموية مروان بن محمد بمروان الحمار؛ لصبره وجلده على الحروب في محاولته اليائسة لإخماد تلك الفتن. وبالطبع فقد كانت الدعوة العباسية أقوى تلك الحركات السرية وأكثرها تنظيماً، وأقواها أيديولوجياً من خلال رفع شعار آل البيت، وكذلك قدرتها على كسب تأييد المهمّشين والمقموعين، الأمر الذي جعلها الأقدر على سد الفراغ السياسي لدولة الإسلام الخالدة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٤٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٨-٢٠١٢)