علي عبيد
علي عبيد
كاتب وإعلامي من دولة الإمارات العربية المتحدة

الذين يتباكون على الأطلال

آراء

«دولة الإمارات العربية المتحدة، تراهن على أبناء الوطن الأوفياء، خصوصاً أنتم في القوات المسلحة، الذين يقع على عاتقكم حماية وصون أرض الوطن وترابه، والمحافظة على مكتسباته الوطنية التي تحققت، وبإذن الله سنواصل العمل والجد والاجتهاد في سبيل وطننا الغالي».

بهذه العبارة التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للمرشحين في الكليات العسكرية، الأسبوع الماضي، يكون سموه قد لخص فلسفة الحكم في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهي فلسفة تقوم على شحذ همم أبناء الوطن للمضي قدماً في البناء، والمحافظة على المنجزات التي ضحى من أجلها الآباء والأجداد، وتعزيز هذه المنجزات بمواصلة العمل، رغم التحديات التي تواجه المنطقة، والأخطار التي تحيط بها، خاصة وهي تعيش مرحلة مفصلية ومضطربة وصعبة، هي امتداد لمرحلة امتدت 60 عاماً، غير أن الذي يحدث اليوم، هو أشدها صعوبة، كما قال سموه.

الرسائل التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أثناء لقاء سموه بأبنائه المرشحين، تجيب عن الكثير من الأسئلة، وتضع النقاط على الحروف، وترد على أولئك الذين يتباكون على الأطلال، ويدّعون أنهم لا يعرفون الأسباب التي دفعت دولة الإمارات للانضمام إلى التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية لكبح جماح الأطماع الإيرانية، ومنع النظام الإيراني من مد نفوذه وبسط سيطرته على اليمن، من خلال الحوثيين وحليفهم عفاش، كي تصبح اليمن شوكة في خاصرة المملكة العربية السعودية والخليج كله، بعد أن أحكم الإيرانيون سيطرتهم على العراق، عبر الحكومة والحشد الشعبي الذي يقوده قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، المقيم في العراق، وبعد أن أصبحت لهم الكلمة العليا على نظام بشار الأسد في سوريا، عبر حزب الله الذي نقل مقاتليه إلى سوريا، من لبنان، الذي أصبح الحاكم الحقيقي له، ثم كشف عن وجهه الحقيقي، فاعترف بتبعيته لإيران، عندما قال أمينه العام حسن نصر الله: «نحن، وعلى المكشوف، وعلى رأس السطح نقول: موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه، من الجمهورية الإسلامية في إيران».

من هؤلاء الذين خرجوا يتباكون على الأطلال، ويدعون أن دول الخليج تشن حرباً ظالمة وثقيلة الأكلاف ضد بلاد عريقة، كانت من أوائل الدول، بل الإمبراطوريات في التاريخ الإنساني عموماً، والعربي خصوصاً، صاحب جريدة «السفير» اللبنانية، وناشرها طلال سلمان، الذي كتب مقالاً، اتهم فيه دول الخليج بالتنصل من الهوية العربية، والذهاب إلى ما أسماه الاستعمار القديم أو المتجدد، طالبة إليه نجدتها في حماية ثرواتها الطبيعية، واستثمارها عنده، أو عندها، ولكن بإشرافه وتحت قيادته، من أجل ضمان المكانة والنفوذ في محيطها، وتأمين حمايتها من هذا المحيط تحديداً.

واتهم هذه الدول «هائلة الثروة»، كما وصفها، بأنها لم تكتفِ بحجب مساعداتها عن «الأشقاء والفقراء» من العرب، بل انقلبت عليهم مفترضة فيهم معاداتها، واندفعت تشن حروباً تبررها بالقول إنها «استباقية»، على بعض من كانوا في موقع الحارس لطموحها إلى التحرر من الهيمنة الأجنبية، والاندفاع إلى البناء بقدراتها الذاتية، مع الحفاظ على قرارها الوطني المستقل، وهو يقصد بصريح العبارة، المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون الأعضاء في التحالف.

خطاب يعيدنا إلى مرحلة الستينيات من القرن الماضي، عندما كان كُتّاب وإعلاميو تلك المرحلة، يخضعون الدول العربية إلى تصنيفات، فيصفون بعضها بالتقدمي، وبعضها الآخر بالرجعي، حتى دار الزمن دورته، وأثبتت الدول التي كانت تُصنَّف رجعية، أنها أكثر ولاء وإخلاصاً لعروبتها من تلك التي كانت تُصنَّف تقدمية، وكانت لها مواقف مشرفة أثناء الأزمات الكبرى التي تعرضت لها الأمة العربية، وقدمت تضحيات لا يستطيع أن ينكرها أحد، بل إنها وضعت «ثرواتها الهائلة» في كفة، وأمتها العربية في كفة، وقال قادتها إن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي.

وإذا كانت هذه الدول تشن اليوم حروباً «استباقية»، كما وصفها طلال سلمان، فهي إنما تفعل ذلك لحماية منجزاتها، وتأمين مستقبل أبنائها. وهذا لا يعيبها إطلاقاً، بل يرفع من شأنها وشأن قادتها الذين يقرؤون الواقع جيداً، ويدفعون الخطر عن بلدانهم قبل أن يصل إليها، ويطورون قدراتهم العسكرية، إيماناً منهم بأن هذا أمر حتمي ومصيري لا بديل له، في ظل ما تمر به المنطقة من أحداث وتطورات، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أثناء لقاء سموه بمرشحي الكليات العسكرية.

واضح أن السيد طلال سلمان، لا يمر بأزمة مالية فقط، بعد أن أعلن قبل شهور عن نيته إغلاق جريدته لأسباب مالية، ثم عاد فتراجع عن قرار الإغلاق، بعد أن التقى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وإنما يمر بأزمة فكرية وأخلاقية. وإذا كانت أزمته المالية قد حُلّت، لتستمر جريدته في الصدور، فإن أزماته الأخرى ما زالت مستمرة، لأن طلال سلمان، يعرف جيداً دول الخليج «هائلة الثروة» التي يهاجمها، وهو الذي كان زائراً وضيفاً دائماً على منتدياتها ومؤتمراتها، فما الذي حدث كي ينقلب عليها، ويقول إنها قد انقلبت على «الأشقاء والفقراء من العرب»، وحجبت مساعداتها عنهم؟!

الأزمات المالية يمكن حلها بطريقة أو بأخرى، لكن الأزمات الأخلاقية هي التي تستعصي على الحل. ويبدو أن لدى بعض الكتاب والناشرين العرب، من الأزمات الأخلاقية، ما يفوق أزماتهم المالية، وهذه مشكلة يصعب حلها.

المصدر: البيان