السنة الثانية لـ«حكماء المسلمين»

آراء

نشرت جامعة جورج واشنطن تقريراً يرتب دول العالم وفق التزامها بالشريعة الإسلامية، تصدرت فيه الدول الاسكندنافية المراكز الأولى في تطبيق الشريعة، رغم كونها دولاً علمانية ليبرالية، وصاحب صدور التقرير صدى إعلامي كبير، فعنونت الـ«CNN» له: «دول غربية تطبق تعاليم القرآن أكثر من الإسلامية».

تقوم الدراسة على فهم مقاصد الشريعة الإسلامية، التي لخصها الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع: «أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم…»، وتدور حول حفظ النفس من الأذى، وحفظ النسل برعاية الأسرة والأبناء، وحفظ المال بتحريم السرقة والغش، وعليه؛ تصنف الدول بناءً على نتائجها في مؤشرات السلامة، ومعدلات الجريمة، ومقاييس الاستقرار الأسري.

فككت الدراسة الارتباط الذهني بين صورة الدولة الإسلامية وتطبيق الحدود، حيث يخيل إلى الكثيرين أن الإسلام لا تتم مقاصده إلا بحد السيف، ومن هذا المنطلق، نشط «الدواعش» ببث الفيديوهات الهوليوودية لمشاهد قطع الأيدي والرجم والنحر، تأكيداً لأصالة هويتهم الدينية، والمفارقة أن دولة لا تطبق الحدود، مثل آيسلندا، يبلغ معدل جرائم القتل فيها 0.3 جريمة لكل 100 ألف نسمة، بينما دول إسلامية أخرى لديها جرائم بمعدلات أكبر، فما السبب؟!

تدلل الدراسة على أن الفكر الإنساني المستنير تطور ليصل إلى أمرين مهمين: أولهما التوافق مع إعلان حجة الوداع لحقوق الإنسان قبل 14 قرناً، وثانيهما أن بلوغ المقاصد يكون بأنظمة اجتماعية وسياسات حكومية متكاملة، بغض النظر عن كونها نتاج ثقافة ليبرالية أو علمانية، وبذلك فالدراسة تفضح رفض المتعصبين لنتاج الحضارة الغربية المتعلق بصون الحقوق باعتبارها دولاً تحارب الإسلام، ولا خير يأتي منها، ولعل الإشارة إلى كتاب مشهور جداً بعنوان «قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله»، ستعطينا فهماً جيداً لعمق هذا الرفض وجذوره، وتفسيراً للعداء ضد كل فكرة غربية. ومما أظهرته الدراسة أيضاً سطحية فهم الدين القائم على التقليد، والمقدم للوسائل على الغايات، وأثبتت التناسب الطردي بين التقليد الأعمى ودرجة التطرف الفكري، وتحضرني هنا مطالب المحكومين في قضايا الإرهاب بتوفير سجون بلا تكييف، لأن المكيفات بدعة من صنع الكفار، كما لم تكن موجودة زمن سلفنا الصالح!

في مثل هذه الأيام، أكمل مجلس حكماء المسلمين بالتمام سنتين منذ إنشائه، بغرض تحقيق مقاصد الشريعة السمحة بإرساء قيم الأمن والسلم الاجتماعيين، ولعل المجلس، بالصفة الدولية التي يحظى بها، هو الأولى بإصدار تقرير سنوي يرتب دول العالم وفق التزامها بمقاصد الشريعة، مع التوسع في فهم المقاصد، التي تغيرت وسائل تحقيقها بتغير الزمن، فما صلح في عصر الإمام الشاطبي (الثامن الهجري)، أول المجتهدين في علم المقاصد، قد لا يصلح لزماننا، يضاف إلى ذلك ما يمكن تعلمه من دروس وممارسات سبقتنا بها دول العالم في تحقيق مقاصد الإسلام، يضاف إلى ذلك كله أن وجود دول غربية في التقرير سيعالج ظاهرة «الأسلموفوبيا»، ولنفهم نحن والغرب أننا نشترك في مقاصد تحفظ حقوق الإنسان، وتصون كرامته.

المصدر: الإمارات اليوم