بين النهوض والتخصص العلميين

آراء

الروائي المعروف عبد الله بن بخيت خصص مقاله هذا الأسبوع لنقد ما اعتبره إفراطاً في الاهتمام بالعلوم الطبيعية والتجريبية، وإغفالاً للعلوم الإنسانية. ويقول إن الحضارة الأوروبية لم تبدأ بدراسة العلوم الطبيعية، «إنما قامت على التفكير العلمي والوعي والفكر… قامت على الرجال الذين ألفوا في التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وفرضوا التنوير». ويستنتج أن تركيزنا الحالي على العلوم البحتة، سيعين الشباب على ضمان وظائفهم، لكنه لن يقودنا للتقدم (جريدة الرياض 16 يوليو/ تموز).

الوضع الذي انتقده ابن بخيت هو السائد في المشهد الاجتماعي. فالاتجاه العام بين الناس وفي الإدارة الرسمية يربط التعليم بالوظيفة وليس بإنتاج العلم أو نشره. وفي العام الماضي ابتكر وزير التعليم برنامجاً سماه «بعثتك – وظيفتك» يربط بين التخصص الدراسي ومتطلبات الوظيفة المنتظر أن يشغلها الطالب بعد التخرج.

هذا يحملني على الظن أن دعوة ابن بخيت لن تجد مستمعاً. ليس فقط لأن دراسة العلوم الإنسانية «ما توكل عيش» كما يقول أشقاؤنا المصريون، بل لأنها أيضاً لا تؤدي – وفق فرضيته إلى النهضة، ولا تسهم في ترسيخ الفكر العلمي.

شيوع الاهتمام بالتخصص في العلوم البحتة لا يؤدي – في اعتقادي – إلى انتشار العلم أو إنتاجه، فضلاً عن النهوض الحضاري. كما أن التركيز على العلوم الإنسانية لا يؤدي إلى هذه النتيجة، ولا إلى انتشار الأدب والعلوم الاجتماعية والنظرية. ولدينا تجربة متكررة على مدى زمني طويل، تؤكد هذا الادعاء. لقد مضى على بداية التعليم الجامعي نحو 60 عاماً، تخرج خلالها عشرات الآلاف من الطلبة في تخصصات علمية وإنسانية وشرعية. كما تخرج من الجامعات الأجنبية خلال الفترة نفسها، ما يزيد – وفق تقديرات منشورة – على نصف مليون طالب. وطبقاً لبيانات نشرتها هيئة الإحصاء السعودية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، فإن عدد السعوديين الذين يحملون شهادات جامعية قد بلغ 2.8 مليون، بينهم 45 ألفاً يحملون شهادة الدكتوراه.

تخيل أن كل حامل دكتوراه قد نشر بحثاً واحداً في السنة. تخيل أيضاً أن حملة البكالوريوس الذين يزيد عددهم على المليونين، هم قراء هذه الأبحاث. لو حدث هذا في الواقع لكان لدينا اليوم ما يصح وصفه بحياة علمية نشطة، أي إنتاج متزايد للعلم ونقاشات علمية واسعة وانتشار أفقي وعمودي لمختلف العلوم.

لكننا نعلم أن هذا لم يحصل أبداً. فلماذا؟

لقد كتب بعض الزملاء في أوقات سابقة عن ندرة مراكز البحث العلمي، وندرة المجلات العلمية المتخصصة، رغم وضوح الحاجة إليها والرغبة فيها.

السبب الإجمالي في اعتقادي هو ضعف الرغبة في التغيير، بين النخبة وشريحة معتبرة من أبناء الطبقة الوسطى الذين تفترض الدراسات الاجتماعية أنهم – في العادة – خزان التغيير. الرغبة في التغيير هي أول عوامل النهوض العلمي والثقافي. وهي ليست برنامجاً أو خطة عمل أو قانون، بل هي أقرب إلى شعور عميق عند نسبة معتبرة من المواطنين فحواه التشكك في القيم السائدة والسلوكيات وأنماط المعيشة والانشغالات العامة. يتأسس بناءً عليه تطلع نحو واقع مختلف، وإيمان بالقدرة على بناء الواقع الجديد. نقطة الانطلاق هي الإيمان بالذات، أي بأننا نستطيع أن نصنع أقدارنا، ثم من الجرأة على نقد الماضي والتحرر من قيوده الثقافية.

روحية النهضة لا تتوقف على تخصص محدد، بل على اقتناع القادرين على توجيه الجمهور بأن هذا الجمهور وإياهم يستطيع أن يغير التاريخ، ثم تحديد معنى التغيير الذي نريده واتجاهاته.

المصدر: الشرق الأوسط