تبعات الدولة الآيديولوجية

آراء

ذكرت في مقال الأسبوع الماضي المعايير الثلاثة المقترحة لتطبيق وصف الدولة الفاشلة أو المتردية. وأبرزها عجز الدولة عن فرض سلطانها على كل أراضيها، ثم انهيار نظام الخدمات العامة، وأخيرا تردد المجتمع الدولي في الاعتراف بالحكومة كممثل قانوني وحيد لبلدها. وقد رجحت المعيار الأول مع بعض التحفظ.

المعيار الأول، وهو موضوع هذا المقال، ينصرف عادة إلى معنى محدد، هو امتلاك الدولة لقوة عسكرية تمنع ظهور أي قوة مماثلة خارج نطاق القانون، سواء كانت هذه جماعة سياسية مسلحة أو منظمات إجرامية كبيرة.

سبب التحفظ على هذا المعيار هو مسار الأحداث في ثلاث دول عربية هي العراق وسوريا وليبيا. قبل انفجار العنف كانت هذه الدول تخضع لحكومات قوية، تملك منظومات أمنية شديدة الفعالية، واسعة الانتشار، متغلغلة في تفاصيل حياة المجتمع. لكنها فشلت جميعا في منع انزلاق المجتمع إلى الانقسام وانفجار العنف الأهلي، بل إن القوات المسلحة نفسها، فشلت في صون وحدتها، فانقسمت وتصارعت.

هذا يستدعي أسئلة ضرورية، مثل: هل تسبب انقسام المجتمع في انقسام القوات المسلحة أم العكس؟ وهل كانت بذور الانقسام كامنة في المجتمع أو في القوات المسلحة، حتى في ظل الدولة القوية؟

لعل قارئا يجادل بأن الانقسام ولد بعد انكسار النظام. بمعنى أن انكساره هو سبب الانقسام. وهذا الاستدلال غير صحيح. فهو قد يدل أيضا على أن الانقسام كان نشطا تحت السطح، فلما انكسر السقف الأمني، ظهر الواقع المحتجب تحته. ولو كان انكسار الحكومة علة رئيسية، لاستعاد المجتمع الليبي مثلا وحدته، بعد خمس سنوات من سقوط النظام السابق.

فكرة احتكار الدولة للقوة المسلحة كدليل على نجاحها، تنسب إلى تراث ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني المعروف. لكن فيبر يشير ضمنا إلى أن دور القوى المسلحة الحكومية يجب أن يفهم كقابلية لاستعمال السلاح وليس استعماله فعليا، إلا في مواجهة الجريمة أو التمرد المسلح. وهو يستعمل في هذا السياق عبارة «التلويح بالقوة المسلحة».

أميل إلى الاعتقاد بأن تبني الدولة لخطاب آيديولوجي خاص، هو العامل الرئيسي للانقسام الاجتماعي. وهذا ما حصل في الدول الثلاث. تبنت النخبة الحاكمة في سوريا والعراق آيديولوجيا حزب البعث. وتبنى الليبيون آيديولوجيا الثورة الجماهيرية. وهي آيديولوجيات ما كانت تمثل – في أحسن الأحوال – غير شريحة من المواطنين، كبيرة أو صغيرة. ما لم يكن جميع الشعب مؤمنا بالآيديولوجيا الرسمية، فسوف تتحول بالضرورة إلى عامل تقسيم للمجتمع، بين أولياء الحكومة، المؤمنين بخطابها الآيديولوجي، وأعداء الحكومة، الرافضين لذلك الخطاب. وفي مثل العالم العربي، فإن رفض الخطاب الرسمي يتحول سريعا إلى تصنيف سياسي، يستدعي استعمال القوة العارية ضد الفريق الرافض. وبالتالي تحويل الانقسام من اختلاف في الرأي، إلى صراع نشط بين دائرة المحبين ودائرة الكارهين.

اتسمت علاقة المواطنين بالحكومة في الدول الثلاث بالارتياب المتبادل. وكان الخوف والحذر هو الطابع العام لموقف المواطنين من الدولة، التي لم تتحفظ في استعمال قواها الأمنية ضد من يختلف معها في رأي أو موقف سياسي أو آيديولوجي.

هذا يحملنا على الظن بأن مجرد احتكار الدولة للقوى المسلحة، ليس معيارا لنجاحها كما رأى فيبر، لأنه لا يحول دون الانقسام الاجتماعي، الذي قد يقود في لحظة ما، إلى انقسام تلك القوى المسلحة، وعجزها عن ممارسة دورها كحارس للنظام الاجتماعي.

المصدر: الشرق الأوسط