ثنائية «الابتلاء» و«العقوبة»!

آراء

بيننا أناس يختزلون تفسير ما يحدث في الكون من كوارث طبيعية في تفسيرين لا ثالث لهما: الابتلاء أو العقوبة! إن أصابتهم كارثة قالوا: ابتلاء. وإن أصابت غيرهم قالوا: عقوبة! كم بيننا من يؤمن إيماناً راسخاً أنه على حق فيما غيره -ممن ليس نسخة منه طبق الأصل- على باطل وفي ضلال مبين؟ تلك عقلية أنا وحدي “الفرقة الناجية” وغيري إلى جهنم وبئس المصير.

كثير من هؤلاء هم فعلاً ضحايا ثقافة غرست داخلهم موقفاً عنصرياً وعدائياً من أي “آخر” يختلف معهم في الرأي ناهيك عن الدين أو المذهب. أذكر أن طلاباً من بلادي أيام الدراسة في أمريكا، وبعضهم كان يُحضّر للدكتوراة، كانوا يستمعون لأشرطة وعظية، تصلهم من الوطن الأم، تحذر من “الابتسام” في وجه “الكفار”! وتحثهم على إظهار “الغلظة” ضد الأمريكان في ديار الأمريكان! وسمعت شاباً من بلادي يستنكر على زميله السعودي أنه دعا لزميل دراسة أمريكي بالشفاء من وعكة صحية.

كيف نُغيب الوجه الإنساني عن مجتمعنا وثقافتنا وديننا؟ ثم نسأل: لماذا يخافون منا؟ حينما ينشأ المرء على أنه “الأفضل” و”الأتقى” و”الأنقى” فإنما نزرع بداخله موقفاً “عنصرياً” تجاه “الآخر” مما يضر به هو أولاً ويخدعه في نظرته لنفسه ولغيره. من ينشأ على هكذا ثقافة طبيعي جداً أن يفسر أسباب الفيضانات والأعاصير إما “ابتلاءً” يُبتلى به المؤمنون أو “عقوبة” يُعاقب بها العصاة والمفسدون.

ليتنا نرحم عقول أبنائنا ونفكر في مستقبلهم وهم مجبرون، آجلاً أم عاجلاً، على التعامل مع عالم واسع فيه أديان مختلفة وأفكار متباينة وقضايا شائكة. شبابنا هم من سيدفع الثمن إن كرسنا خطاباً عدائياً -ليس فيه رحمة- ضد كل من يختلف معنا في الرأي أو المذهب أو الدين!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٣٤) صفحة (٢٤) بتاريخ (٠٢-١١-٢٠١٢)