سامي الريامي
سامي الريامي
رئيس تحرير صحيفة الإمارات اليوم

حادث الطائرة جزء من الماضي!

آراء

لا تستطيع أي دولة في العالم، مهما كان حجمها وقوتها، أن تمنع حدوث كارثة، فالكوارث سواء كانت بفعل الطبيعة، أو بسبب البشر ستظل مستمرة، مادامت الحياة مستمرة، ولا توجد دولة أو مدينة بمنأى عن حدوثها، لكن ومع ذلك يظل معيار قياس النجاح الحقيقي للدول، يتمثل في درجة جهوزيتها للتخفيف قدر الإمكان من تبعات الكوارث، والخروج منها بأقل الخسائر والأضرار الممكنة، لذا فإن الكارثة الحقيقية ليست في وقوع الكوارث، بل في عدم الاستعداد للتعامل معها بحرفية.

حادثة احتراق محرك في طائرة تابعة لـ«طيران الإمارات»، الأربعاء الماضي، هي في عالم الطيران حادثة متوقعة، ليست الأولى من نوعها على مستوى العالم، ولن تكون الأخيرة، لذا لن نتوقف عندها كثيراً، فهناك إجراءات ستتخذها «طيران الإمارات»، بعد الانتهاء من التحقيقات اللازمة، لمعرفة كل التفاصيل التي تقلل كثيراً فرص احتمالية تكرارها، والمسؤولون في هذه الشركة المتطورة والراقية هم أدرى من غيرهم بهذه الإجراءات، لكننا سنتوقف – وبكثير من الفخر والإعجاب – عند لحظات التعامل الاحترافي مع الأزمة، من جميع الجهات المعنية في دبي والإمارات، حيث تم التفاعل والسيطرة على الوضع، والتعامل الميداني وغير الميداني معه بسرعة ودقة، وبمستوى عالٍ جداً من الكفاءة، التي تؤكد جاهزية جميع فرق العمل، للتعامل مع الأزمات المتوقعة بالحرفية المطلوبة.

إنها فعلاً لحظات، لكنها كانت صعبة للغاية، ومع ذلك تحولت إلى إنجاز جديد يضاف إلى رصيد دبي من الإنجازات، فلم يستغرق الأمر أكثر من 45 ثانية حتى تم إخلاء جميع الركاب، وهذا هو أهم مؤشرات النجاح، في ثوانٍ معدودة كان جميع ركاب الطائرة سالمين خارجها، لقد تمت المحافظة على أرواح أكثر من 300 شخص، وهذا هو الإنجاز الحقيقي، الذي حول المسمى من «كارثة» إلى «حادث هبوط اضطراري لطائرة»، ومن ثم احتراقها، واحتراق طائرة هو ضرر مادي لا يقارن أبداً بفقدان الأرواح!

هناك جهوزية عالية، شاهدناها جميعاً عند كل الجهات المعنية: مؤسسة المطارات، رجال الدفاع المدني، الشرطة، الصحة، الإعلام، الجنسية والإقامة، ليس هؤلاء فقط، بل الإمارات بأسرها بمختلف مؤسساتها وحتى بأفراد مجتمعها، جميعهم أسهموا بشكل أو بآخر، معنوياً وعملياً، في تجاوز هذا الحادث، فالأزمة ليست محصورة في طائرة، إنما في تلبية نداء الواجب، ولا يوجد أفضل من أهل الإمارات في هذا الشأن تحديداً.

هناك شجاعة وإقدام، وتضحية غالية بالنفس، شاهدناها في بطولة الشهيد جاسم البلوشي، حيث ضحى بنفسه لينقذ الآخرين، بالتأكيد هو لا يعرف أحداً منهم، لكنه عرف أن الوطن والواجب يحتمان عليه التضحية بكل شيء وبأغلى شيء، فقدم روحه فداء لإنقاذ حياة المئات من النساء والأطفال والرجال.

حادث الطائرة أصبح جزءاً من الماضي بسرعة شديدة، فالحركة عادت إلى طبيعتها في مطار دبي الدولي بعد أقل من 48 ساعة، و«طيران الإمارات» استعادت بريقها سريعاً، ولم تؤثر هذه الحادثة في حماسة مسؤوليها لمواصلة مسيرة النجاح والتطور، والأمور برمتها عادت كما كانت قبل انزلاق الطائرة على المدرج، لاشك في أن هناك دروساً مستفادة، ولاشك إطلاقاً في أنها ستقود نجاحات الشركة إلى مستويات أعلى، نقول ذلك بكل ثقة، لأن الثقة هي عامل القوة وعامل النجاح في الإمارات، الثقة في تجاوز الصعاب، والثقة في تحقيق الإنجاز حتى لو كان في أحلك الظروف.

المصدر: الإمارات اليوم