محمد النغيمش
محمد النغيمش
كاتب متخصص في الإدارة

حكاية القطار واتخاذ القرار

آراء

هناك قصة شهيرة تروى في أدبيات الإدارة واتخاذ القرار تحاول أن تصور لنا كيف يتخذ المرء كثيرا من قراراته. وهي كالتالي:

تخيل أنك شاهدت مجموعة من الأطفال يلعبون في مسارين منفصلين لخط السير الحديدي للقطار. أحدهما يعمل والثاني خارج نطاق الخدمة. وكان هناك طفل واحد يلعب في هذا المسار المعطل، أما باقي الأطفال فكانوا يلهون عند المسار الذي يعمل. ولو أن القطار اقترب بسرعة خاطفة نحو الأطفال وكنت حينئذ واقفا في نقطة تقاطع مساري القطارين سيكون أمامك خيار أن تدفع القطار باتجاه المسار المعطل، الذي به طفل واحد في محاولة لحماية أكبر عدد من الأطفال في المسار الآخر غير أن هذا القرار يعني أننا سنضحي بطفل واحد. أو أن نترك القطار يسير في طريقه. لنتأمل القرارات التي يمكن أن تتخذ في هذا الموقف. عموما الناس ربما يميلون إلى خيار حماية أكبر قدر ممكن من الأرواح على غرار تصرفنا الفطري في حالات الكوارث الطبيعية. وهذا القرار ربما فيه شيء من العقلانية وجانب عاطفي. ولكن هل وضعنا في اعتبارنا أن الطفل الذي اختار اللعب في المسار المعطل قد اتخذ قرارا صائبا وآمنا، ومع ذلك قرر البعض أن يضحي به في سبيل حماية عدد من الأطفال غير المبالين الذين اختاروا اللعب في مكان في غاية الخطورة. هذه المعضلة الرمزية تحدث أمامنا على أرض الواقع كل يوم، في أعمالنا وشوارعنا وحياتنا الخاصة وحتى على مسرح العمل السياسي. فكم من قرار أو قانون مررنا رغم تكلفته الباهظة أو تداعياته لنحمي حفنة قليلة قد لا تستحق كل هذا العناء. والأمر نفسه يحدث حينما نميل إلى كفة الأغلبية بغض النظر عن مدى رجاحة أو وجاهة قرارها فنزيد الطين بلة.

وهذا الطفل المسكين (الأقلية) رغم أنه بذل أسباب النجاة لكنه حينما وقع الفأس بالرأس لم يجد أحدا يذرف دمعة واحدة على فراقه. والأمر نفسه يحدث في مجتمعاتنا وداخل بيئات الأعمال حينما تبذل هذه الحفنة القليلة قصارى جهدها في إبراز مشروع «ما يخرش الميه» كما يقول أشقاؤنا المصريون ثم نجد القيادي أو المسؤول يميل نحو الأغلبية التي ربما تحكمها العاطفة أو التسرع فتدفع المنظمة وأحيانا بلد بأكمله تبعات ذلك.

ولنتذكر دائما أن قراراتنا الصائبة ليست بالضرورة الأكثر شعبية أو الأكثر قبولا. فكم من قرار تجرع مرارته الناس ثم اكتشفوا أنه كان عين الصواب والحكمة. «وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شر لكم».

المصدر: الشرق الأوسط

http://classic.aawsat.com/leader.asp?article=788355