سامي الريامي
سامي الريامي
رئيس تحرير صحيفة الإمارات اليوم

كيف تحوّل الصفر إلى 40 ملياراً؟!

آراء

تحدثتُ مراراً في هذه الزاوية عن ضرورة خلق قطاعات اقتصادية جديدة، يتم من خلالها استقطاب الشركات العالمية وكبار المستثمرين، لجلب رؤوس الأموال وتحريك دورة الاقتصاد، وجميع الأنشطة المرتبطة بها، ولم يخطر أبداً ببالي أننا جميعاً نعبر بشكل مستمر على واحد من أهم وأضخم المشروعات التي تعد بحقٍّ نموذجاً مثالياً لهذه الفكرة.

هذا المشروع هو بحقٍّ قصة نجاح تستحق الفخر، لأنه مفتاح مهم لاقتصاد مستدام مبني على قواعد صلبة لا تؤثر فيها المطبات الاقتصادية، إنه ذلك المشروع القابع على طريق دبي – العين من جهة، وشارع محمد بن زايد من جهته الأخرى، وهي بالمناسبة كانت قبل عام 2005 منطقة صحراوية غير مأهولة، وكانت تساوي بلغة الأرقام «صفراً»، أما الآن فهي منطقة حرة تحمل اسم واحة دبي للسيليكون، استقطبت 2491 شركة عالمية ومحلية، 80% منها متخصصة في التقنية، ويسكن فيها 77 ألف شخص، وتبلغ قيمة الأصول والمباني فيها اليوم، وبلغة الأرقام أيضاً، 40 مليار درهم!

كنت أعتقد، وكثيرون أيضاً غيري، أن «واحة السيليكون» مشروع عقاري لا يختلف عن غيره، مجرد شقق وفلل للبيع، لكن الحقيقة لا تمت أبداً لهذا الاعتقاد بصلة، فحجم المشروعات العقارية في الواحة لا يتجاوز 18% فقط من الحجم الكلي للمشروع، بل إن المسؤولين في السلطة، وعلى رأسهم الدكتور محمد الزرعوني، رفضوا ومازالوا يرفضون جميع العروض المقدمة من المطورين العقاريين لشراء كل الأراضي المتبقية في الواحة لتحويلها لمشروعات عقارية، وهم مؤمنون بفكرة استثمار الأراضي لاستقطاب الشركات العالمية المتخصصة في التقنية، ومن ثم خدمتها بمشروعات خدمية وعقارية وفقاً للحاجة والعرض والطلب.

واحة دبي للسيليكون تسيّر كل مشروعاتها ضمن ثلاثة توجهات رئيسة: تعليم وعمل ومن ثم سكن، والتعليم يشمل الابتكار والتصميم والذكاء الاصطناعي والجامعات الحديثة، أما العمل فهو للشركات العالمية والمحلية المبدعة في مجال التكنولوجيا والسيارات والطائرات، والطاقة الشمسية والطاقة الكهروضوئية والاتصالات، ومن ثم السكن في المشروعات العقارية القريبة التي تخدم التعليم والعمل.

والنتيجة نجاح مبهر في كل القطاعات التي تضمها الواحة، هناك مدارس على مستوى عالٍ، وجامعات، من ضمنها واحدة من أقدم الجامعات الأميركية العريقة، التي تعمل حالياً على إنشاء مبناها الجديد بقيمة نصف مليار درهم، إضافة إلى مستشفى جامعي بريطاني، يعتبر من أفضل مستشفيات العالم، ومدينة ذكية يتم تشييدها هي الأحدث من نوعها في المنطقة والعالم، ومراكز للابتكار والبحوث والتطوير تمتلكها السلطة، وهي تعج بآلاف الشباب من 70 دولة، يفكرون ويعملون ليل نهار لتطوير الأعمال.

والأجمل أن القطاع الصناعي أيضاً موجود وبقوة، فحجم الاستثمارات الأجنبية في المصانع والوحدات الصناعية داخل الواحة يبلغ أربعة مليارات درهم، وهي منوعة وتضم أسماء عالمية كبيرة، لكن ذلك لا يعني التركيز فقط على الأسماء الكبيرة، لذلك أسست واحة السيليكون مركز دبي التكنولوجي لريادة الأعمال، وهو الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، ويضم حالياً 980 شركة، و2500 شاب من رواد الأعمال، تبلغ استثماراتهم 100 مليون دولار.

هذه هي نوعية المشروعات التي تصنع الفرق، وهي التي تنعش الاقتصاد، وتستقطب تلك النوعية من الموظفين الذين يحركون معهم جميع الأنشطة الاقتصادية، نتمنى أن نشاهد العديد منها مستقبلاً.

المصدر: الإمارات اليوم