ياسر حارب
ياسر حارب
كاتب إماراتي

محاولة لفهم الإلحاد عند الشباب العربي

آراء

في بدايات الحراك الفكري في أوروبا – إبان القرن الثاني عشر – الذي أدى بها لشق طريقها نحو النور، بدأت المدارس والأفكار الفلسفية بالبروز على سطح الفكر الإنساني. وكان من أهمها في تلك الفترة الفلسفة المدرسية أو ما عُرِفَت بـ “السيكولائية” وهي فلسفة قائمة على التوفيق بين الفكر اليوناني المتمثل في أطروحات أفلاطون وأرسطو، وبين تعاليم الكنيسة التي كانت مسيطرة آنذاك على كل مناحي الحياة ومنها المدارس والنظام التعليمي في أوروبا.

وكان من المشتغلين بهذه المدرسة الفيلسوف الفرنسي (بيير أبيلار) الذي عُنِيَ باستخدام المنطق لفهم المسيحية الصحيحة والدفاع عنها. ويظهر أثر أبيلار واضحاً في مسار الفكر الديني الفلسفي في كتابه (نعم ولا) الذي وضّح فيه تناقضات الفكر اللاهوتي المسيحي آنذاك حول المبادئ الدينية. وظهرت مشكلة أبيلار مع الكنيسة عندما تحدث عن فكرة التثليث، وقال بأن “وحدانية الله هي النقطة الوحيدة التي يتفق فيها أعظم الأديان وأعظم الفلاسفة” فرُمي بالإلحاد وتصدى له رجال الكنيسة ثم صدر أمرٌ بحبسه في الدير لسنة كاملة، إلا أن مرسوماً بابوياً صدر بعد مدة قصيرة وأفرج عنه. ولقد أُصيب أبيلار بالصدمة والإحباط وقال في ذلك: “يعلم الله كم مرة فكرتُ تحت ضغط يأس عميق في الرحيل عن الأرض المسيحية والعبور نحو الوثنيين للعيش هناك في سلام، دافعاً الجزية لأعيش مسيحياً بين أعداء المسيح”. ولقد كان يتحدث عن تفكيره في الهجرة إلى بلاد المسلمين التي كانت تُرحب، آنذاك، بالآراء والفلسفات المختلفة وتؤمن بحقها في النمو والتطور.

ومع مرور الوقت ونضوج الأفكار الفلسفية وظهور المصلحين الدينيين من أمثال مارتن لوثر ثم جان كالفن الذين فكّكوا القدسية عن رجال الكنيسة، وحاربوا فكرة اللاهوت المتمثلة في وجود وسطاء بين الناس وبين الرب، فقد المسيحيون إيمانهم بالكنيسة التي كان المفترض بها أن تمثل الرب في الأرض؛ كردة فعل تجاه عجزها عن تقديم تفسيرات منطقية لتساؤلاتهم الوجودية، ناهيك عن سأمهم من سيطرتها وتدخلها في كل شؤونهم، العامة والخاصة. وبعد أن خاضوا حروباً دامية عبر قرون، وصلوا اليوم إلى قناعة بأن الدين شأنٌ شخصي وليس مجتمعي، وكأن حالهم يقول: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وصار الإلحاد أو الإيمان شأنان خاصان جداً مثل الزواج والإنجاب.

واليوم تمر منطقتنا العربية بمراحل تشبه تلك التي عاصرها أبيلار قبل ثمانية قرون، فالفكر الديني – ذو الصبغة اللاهوتية – مهيمنٌ على كل نواحي الحياة، ورجال الدين يفرضون سيطرتهم على أفراد المجتمع، من النواحي العَقَدية والفكرية والأخلاقية والتطبيقية، وعلى رغم أن الإسلام ليس به مصطلح “رجال دين”؛ لأن الإيمان هو الرابط الأساس بين الإنسان وربه، إلا أن غالبية من يمثلونه اليوم يشكّلون ما يُشبه الكهنوت الذي يحول بينهما، ونجحوا في وضع نظام يمارَسُ في المجتمع بقسوة وبتأصيل لا سابق له. وأعني بكلمة “تأصيل” هنا أي أن المنضويين تحت راية هذا الكهنوت استطاعوا أن يقنعوا العامة بأصالة دورهم في إرشادهم في أمور دينهم لأن العامة ببساطة “لا يعلمون” ولذلك عليهم ألا يتجرأوا على التفكير في أمور الدين ويتركوا الأمر لأهله. بينما الآية واضحة “واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” ولا أدري كيف تغافل الناس عن شَرْطية سؤال أهل الذكر المرتبطة بحالة واحدة هي جهل السائل. أي أن للسائل حق البحث والتمحيص، وفي حال عدم فهمه فإنه حينها يمكنه اللجوء إلى أهل الذكر، وليس مفروض عليه أن يسألهم قبل أن يبحث. فربما بحث ووصل إلى الحقيقة، وحينها ينتفي شرط الجهل عنه في قوله: “إن كنتم لا تعلمون” ولا يعود مضطرا لسؤالهم. ولذلك فإنني أعتقد بأن هذه الآية الكريمة مقيدة لسؤال أهل الذكر أكثر منها تقييداً لمبدأ البحث والفهم عند الأفراد. والقول هنا في الرد على من يستخدم الآية اليوم في سياقها الخاطئ، أي في محاولة منع الناس من التساؤل، أما إذا عدنا للسياق الصحيح التي نُزعت منه الآية، وقرأناها في تفسير الطبري فسنجد التالي: “القول في تأويل قوله تعالى (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) … يقول للقائلين لمحمد صلى الله عليه وسلم في تناجيهم بينهم: هل هذا إلا بشر مثلكم، فإن أنكرتم وجهلتم أمر الرسل الذين كانوا من قبل محمد، فلم تعلموا أيها القوم أمرهم إنساً كانوا أم ملائكة، فاسألوا أهل الكتب من التوراة والإنجيل ما كانوا يخبروكم عنهم”. وذهب بعض المفسرين إلى أن أهل الذكر هم أهل القرآن.

لماذا نقول هذا الكلام الآن؟ لأن الحديث عن انتشار الإلحاد في الدول العربية صار حقيقة، ولا يمكننا أن نتغافل عنه أو أن نتعامل معه بإطلاق أحكام قاسية على الشباب والفتيات الذين منهم من قد ألحد وقُضي الأمر، ومنهم من يعيش حالة من الصراع الفكري ويتساءل عن حقيقة الوجود. فلقد جلستُ إلى مجموعة منهم وتحدثنا طويلاً، فوجدتُ أنهم لا يكرهون الدين، ولكنهم لا يجدون تفسيرات منطقية لما يدور حولهم وفي داخلهم؟ ولم يَلْقَوا سوى نفس الإجابات المكررة التي كانوا يسمعونها مذ أن كانوا طلبة في المدارس حول تساؤلات كثيرة متعلقة بالأخلاق، وبالوجود، وبالثواب والعقاب، وبعلاقتهم بغير المسلمين، حتى قال أحدهم: “عندما أرى كل هذا العنف من أهل الدين تجاه العالم والحياة والآخَر فلا تَلُمْني إن فقدتُ الثقة بالدين”.

وكان مما دار بيننا من حديث أن الدين لم يأتِ ليُقيّد الحريات ولكن لينظمها. وأن مشكلة هؤلاء الملحدين تتمثل في أطروحات كثير من الوعاظ الفضلاء الذين يقدمّون الدين على أنه الحل لجميع مشكلات الحياة، السياسية والنفسية والجسدية والاقتصادية والفلكية وغيرها. ومنطق العقل يقول غير ذلك؛ فالدين إطار عام ودستور حياة ولا يمكننا أن نقحمه في كل صغيرة وكبيرة. ومن المبالغة أن يبحث الناس عن حكم شرعي لكل حركة وسكنة في حياتهم، وهذا أحد أسباب الاحتقان العَقَدي لدى من اتخذ طريق الإلحاد، فلقد باتوا يشعرون بالتقييد التام بسبب هذا النمط التفصيلي الذي يحاول بعض رجال الدين إقحامه في المجتمع. ولذلك حدثت عندهم ردة فعل عكسية ومتمردة ليس على الدين في جوهره، ولكن على من يحاولون فرضه عليهم. ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء الملحدين من الشباب يشعرون بأن الدين الحقيقي لا يمكنه أن يدعونا لكره الآخرين والتحريض عليهم. “ولا يعقل” والحديث على ألسنتهم “أن يكون الله بهذه القسوة التي تتمثل في كلام رجاله وتصرفاتهم وتلونهم وتبدل مواقفهم تبعا لمصالحهم وتحالفاتهم والتوجهات السياسية التي ينتمون لها”.

إذن نحن على عتبات أزمة إيمانية في المنطقة، أساسها أمران: الأول، نأي قسم من رجال الدين – أو العلماء ليكون الوصف صحيحاً – عن قضايا المسلمين الكبرى واحتياجاتهم المعاصرة والحية والجديدة، نأياً فصلهم عن الواقع. فلا زالوا، حتى اليوم، يتحدثون عن أحكام المعتزلة والمُرجئة على رغم اختفاء هذه الأوصاف ومن ينتمي إليها! وتغلغل القسم الآخر في العمل السياسي تغلغلاً أفقدهم مصداقيتهم وجعلهم سياسيين أكثر من كونهم علماء. والثاني، قمع حريات التفكير والتعبير والمعتقد، وانتشار الدوغمائية (أي التعصب لفكرة معينة) باسم الله وباسم الدين. ناهيك عن انتشار الجهل عند الطرفين، عند الشباب بالدين على رغم دراستهم له طوال فترة المدرسة إلا أنها كانت دراسة سطحية ودوغمائية. وعند علماء الدين بالأفكار المعاصرة والتوجهات الحداثية التي تعيشها الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. ولا أتحدث هنا عن استخدام التكنولوجيا والإعلام الاجتماعي، فهذه مجرد وسائل فقط، ولكنني أتحدث عن أنماط الحياة الجديدة، والأنساق الفكرية المستحدثة، واللا محدودية التي تتميز بها الأفكار الإنسانية اليوم، وشغف المعرفة الممتدة كالأفق. كل هذا جعل من الجيل الناشئ يفقد الثقة بأن الدين يملك حلول كل شيء، وأصيبوا بالإحباط لأنهم لُقّنوا بأنه قادر على ذلك ووصلوا إلى نتيجة مفادها بأن “ما لُقّنوه كان غير صحيح، إذن ففكرة الدين غير صحيحة” كما قال أحدهم!

أعتقد بأنه قد آن الأوان لكي نأخذ موضوع الإلحاد بجدية في دراساتنا المعرفية في المنطقة، سواء في الجامعات أو في المراكز البحثية، ولكن بعيداً عن التعنيف والتطرف الفكري أو اللفظي أو الجسدي في التعامل مع الملحدين وفرض أحكام مسبقة عليهم؛ وإلا فإن النتيجة ستكون دامية وسوداوية في العقود القادمة، على المستوى الفكري على الأقل.

يعتقد الفيلسوف روجر بيكون، الذي كان مسيحياً مؤمناً لكنه طرح فكراً نقدياً للفلسفة المدرسية، بأن “الوصول إلى الحقيقة يتطلب إزالة العوائق التي تعترض المعرفة، ومن أهم هذه العوائق رواسب الجهل، وسيطرة العادة، والتبجيل المفرط لمفكري الماضي، وأن الأفكار الصحيحة يجب أن تثبت بالتجربة “.

والعاقل اليوم يدرك بأنه لا يمكن للأجيال القادمة، التي تقرأ في كل شيء، أن تركن إلى تفسير الدين تفسيراً نقلياً مُسلِّماً بالماضي دون نقد، وراضياً بالعاطفة في الاعتقاد بالغيبيات دون إيجاد آلية منطقية لاستيعابها، كما أنهم يحتاجون إلى تفسيره أيضاً بالعقل والمنطق. ولقد قلتُ في مقال كتبته قبل أشهر بعنوان “أخرجوا البعير من رؤوسكم” بأن الاستشهاد بقول الأعرابي: «البعرة تدل على البعير…» لم يعد يُقنع جيلاً منفتحاً على ثقافات العالم المتعددة. ولذلك فإن من الحكمة أن يبدأ المهتمون بالعلوم الشرعية، والحريصون على بقاء الدين بشكل فاعل في حياة المجتمعات العربية وفي الدول الإسلامية، ألا يحاربوا الفلسفة، وأن يعيدوا النظر في رفض الاستعانة بها، فقد يكون توظيفها لفهم الدين أكثر نفعاً من محاربتها كما حصل طوال العقود الماضية، الأمر الذي لم يُجدي نفعاً. ومن الضروري أن يصاحب ذلك إعادة قراءة للنصوص المقدسة، القرآن والسنة، وبدء جهود جديدة لتأويلهما بما يتناسب مع مفاهيم العصر الحديث، دون إلغاء إنتاج القدماء من العلماء والفقهاء والمفسرين والمحدثين، بل بالاستفادة منهم، ولكن دون فرض أطروحاتهم القديمة على العالم الحديث لكونها قديمة فقط. قال لي أحد الذين تحاورتُ معهم إن الإلحاد هو الحل لكي تخرج مجتمعاتنا من أزماتها الفكرية والنفسية. فقلتُ إنني سمعتُ ذلك كثيراً، ولكن كلما زرتُ المقبرة اكتشفتُ بأنه ليس كذلك، لأنه يصعب عليه أن يعطينا أجوبة مقنعة لما سيحدث لنا عندما نؤول إلى هذا المكان، بل إنه لا يستطيع حتى أن يطمئننا بأننا سنكون بخير عندما نعبر إلى العالم الآخر! إن حال هؤلاء الملحدين من الشباب والفتيات شبيه بمواقف فولتير ضد الدين، حيث اعتبرها المؤرخون مواقف ضد الأزمات الاجتماعية التي خلّفتها محاكم التفتيش وتسلط الكنيسة ورجالها، وعلى رغم تصنيفه ملحداً إلا إنه قال مرة: “لو لم يكن الرب موجوداً لاحتجنا إلى إيجاده”. وربما لم يكن فولتير مؤمناً بدين، ولكن يبدو أنه كان مؤمناً بأهمية وجود معتَقَد صحيح في المجتمع، لأنه صمام أمانٍ للأرواح التائه، والموقد الذي يدفئ النفوس حين تبحث عن السكينة.

يقول أبيلار: “لا شيء يمكن تصديقه إلا إذا أمكن فهمه أولاً، وإن من أسخف الأشياء أن يعظ إنسان غيره بشيء لا يستطيع هو نفسه أن يفهمه، ولا يستطيع من يسعى لتعليمهم أن يفهموه”.

المصدر:  البيان