علي عبيد
علي عبيد
كاتب وإعلامي من دولة الإمارات العربية المتحدة

مرشحان أحلاهما مر

آراء

لفت أحد الأصدقاء انتباهي، الأسبوع الماضي، إلى أنني لم أكتب حتى الآن عن انتخابات الرئاسة الأميركية التي أصبحت على الأبواب، ولم يعد يفصلنا عنها سوى أسابيع ثلاثة، رغم أنها مادة خصبة للكتابة.

قلت لصديقي الذي يتوسم في شخصي محللاً سياسياً لسْتُه: ربما لأنها المرة الأولى في تاريخ الانتخابات الأميركية التي لا أتمنى أن يفوز فيها أحد، لأنها ستأتي لنا إما برئيس أرعن لا يمكن لأحد أن يتوقع ما سيصدر عنه من قرارات، خاصة عندما يذهب مستشاروه، الذين لم نعرف هويتهم بعد، ليخلدوا إلى النوم، ويكمل هو السهرة يفكر ماذا يفعل بالعالم الذي يرأس أكبر وأقوى دولة فيه، يتحكم بأزرار أسلحتها النووية التي يمكن أن تنطلق بكبسة زر منه، وأما أن تأتي لنا الانتخابات برئيسة مهزوزة وقلقة وغامضة، لا يعرف أحد كيف ستدير الدولة الأعظم في العالم بهذه الشخصية غير المقنعة.

مرة أخرى أقول إن هذا ليس تحليلاً سياسياً، فهناك من هو أقدر مني على التحليل، فما ذكرته ليس إلا انطباعات شخصية، بعد متابعتي لمناظرتين تلفزيونيتين لمرشحي الرئاسة الأميركية، شاهدتهما ولم يقنعني أي من المرشحين أنه الرئيس الذي ينتظر العالم على يديه حلولاً لأزماته المستعصية، وهي أزمات أسهمت الولايات المتحدة الأميركية على مدى العقود الماضية في صنعها وتفاقمها، أو صبّ الزيت على نيرانها التي تشتعل اليوم في الكثير من مناطق العالم، خاصة في وطننا العربي، أو عملت على منع فرق الإطفاء من الوصول إليها في الوقت المناسب لإخماد الحرائق التي تشتعل فيها، لأسباب يعرفها الجالس على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، مهما ادعى من براءة، أو تنصل من مسؤولية، ومن أجل غايات يعرفها المتحكمون في مفاصل القرار داخل البيت الأبيض وخارجه، من مراكز قوى ومجموعات ضغط وتأثير مختلفة، توجه القرار لمصلحتها ومصلحة الأيدي الظاهرة والخفية التي تقف خلفها، تحركها كما يحرك اللاعبون الأحجار على رقعة الشطرنج.

خلال المناظرتين اللتين تابعهما ملايين المهتمين، وبعض الفضوليين، مدفوعين بشغف الرغبة في الاقتناع بواحد من المرشحين، لم تستطع مرشحة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، أن تقنعنا بأنها في قوة شخصية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أو رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر مثلاً، ولا حتى رئيسة الوزراء البريطانية الحالية تيريزا ماي، التي تشغل المنصب منذ ثلاثة أشهر فقط، لكنها تظهر صلابة غير عادية، دفعت الكثيرين إلى عقد مقارنات عدة بينها وبين تاتشر، استهجنتها ماي قائلة: «لقد كانت هناك مارغريت تاتشر واحدة».

وخلال المناظرتين أيضاً لم يستطع دونالد ترامب أن يقنعنا بأنه الرئيس المناسب لقيادة الولايات المتحدة الأميركية في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل صعود روسيا، وعودة الدب الروسي إلى لعب دور بارز على الساحة الدولية، مع وجود رئيس قوي مثل فلاديمير بوتين، الذي يمسك بتلابيب السلطة منذ ارتقائه إلى سدة الحكم عام 1999، وتنقله بين رئاسة الحكومة والدولة، معيداً إلى روسيا هيبتها ودورها في قيادة العالم.

فقد بدا ترامب في المناظرتين فظاً وسوقياً، تنقصه اللباقة التي يجب أن يتحلى بها رئيس أصغر دولة في العالم، فما بالك برئيس دولة في حجم الولايات المتحدة الأميركية التي تتحكم في مصائر دول وشعوب كثيرة، وتسقط أنظمة وتقيم أنظمة؟ وإذا كان هذا قد حدث في عهود رؤساء أكثر اتزاناً وأقل نزقاً من ترامب، فما الذي يمكن أن يحدث في عهد رئيس لا يتحلى بأقل قدر من الاتزان، ويظهر قدراً كبيراً من النزق في مناظرة تلفزيونية من المفترض أن تقدمه للناخبين في صورة مثالية، وأي مصير ينتظر العالم لو تمكن هذا المرشح من الوصول إلى كرسي الرئاسة؟

الولايات المتحدة الأميركية دولة عظيمة، شاء من شاء وأبى من أبى. حكمها رؤساء عظماء، تركوا بصمات خالدة، ليس في تاريخ الولايات المتحدة فقط، وإنما في تاريخ الإنسانية، أمثال إبراهام لينكولن وجورج واشنطن وفرانكلين روزفلت.

كما حكمها رؤساء وصمهم الأميركيون أنفسهم بالغباء والجنون، أشعلوا حرائق كثيرة في مناطق عدة من العالم، ولطخوا وجه الكرة الأرضية بدماء كثيرة، سوف يتحدث عنهم التاريخ طويلاً، ولكن يبدو أن ما ينتظر العالم ربما يكون أسوأ مما مضى، لأن الظروف تغيرت كثيراً، ولأن هناك دولاً تفككت، وأخرى في طريقها إلى التفكك، ولأن هناك تحالفات كبرى بدأت تنحل عراها، ولأن تحالفات الدول تغيرت ولم تعد تلك التحالفات التقليدية التي عرفها العالم على مدى العقود الماضية، ولأن الأسلحة تطورت ولم تعد تلك الأسلحة التقليدية التي استُخدِمت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولأن طبيعة الإرهاب تطورت فلم يعد ذلك الإرهاب المحلي المحدود، بل أصبح إرهاباً عابراً للقارات، يستخدم أحدث الأساليب، وينتشر دعاته في طبقات من المجتمع لم يكن أحد يتصور يوماً أن ينضم أفرادها إليه، ويستهدف فئات لم تكن ذات يوم من أهدافه.

لهذا كله نضع أيدينا، يا صديقي العزيز، على قلوبنا، وندعو الله أن يخلصنا من هذا الكابوس، أو أن تحدث معجزة فنرى رئيساً عاقلاً وقوياً في البيت الأبيض، يحفظ للعالم توازنه، ويعمل على إعادة الأمن والاستقرار اللذين يفتقدهما إليه، لأن دور الولايات المتحدة أساسي ومهم، وكل من يقول غير هذا يغالط نفسه ويخدع غيره. ولهذه الأسباب، يا صديقي، أرى أن الكتابة عن الانتخابات الأميركية رحلة تمتزج فيها الحقائق بالأمنيات والمشاعر.

المصدر: البيان