موعد المواجهة

آراء

خبر يقول إن عناصر من «داعش» قاموا بخياطة أفواه مجموعة من الشباب بواسطة الأسلاك المعدنية في الموصل، وأخبار أخرى تتوالى حول حوادث نفر فيها الإرهابي في ربوع أوروبا بمسدس أو بسكين أو بحزام ناسف. ردود أفعالنا لا تتعدى الشجب والإنكار والتبرؤ من الفكر التكفيري، وحيث تبقى الحلول معلقة لا أحد يجرؤ على مواجهة التيارات الإسلامية الحركية؛ نظراً لما تتمتع به هذه التيارات من جماهيرية كبيرة استطاعت من خلالها تجاوز غرمائها المنادين بالدولة الوطنية.

في عام 2012 نشر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كتاباً بعنوان «الدولة الوطنية والإسلام»، جاء فيه أن انتشار النزعة الإسلامية وتسييـس الإسلام أصبحا يمثلان تحديـاً للدولة الوطنية العربية، ولابد للأنظمة العربية من مواجهته، ويبدو أن الدول الوطنية في العالم العربي تبنت وسيلتين مختلفتين لمواجهته؛ إما فصل الدين عن الدولة، أو السماح لجماعات الإسلام السياسي بممارسة العمل السياسي العلني من أجل احتوائها واتقاء شرها.

عقود طويلة والتيارات الإسلامية تتقدم الصفوف باعتبار ما تتبناه من أفكار يعود بالفرد المسلم إلى جذوره العقدية، واعدة إياه بتصحيح أوضاعه الدنيوية المزرية حال انقياده لتعاليمها، وسر تفرّدها أنها تمنيه بصلاح دنياه وآخرته، ورهان نجاحها أنها تنهل من النبع الأول للدين، وحيث لا إنجازات على الأرض انحصر ما قدمته التيارات الإسلامية في صورة ما عرف بالصحوة الإسلامية، التي لم تتجاوز آثارها المادية سوى مظاهر التدين والنشاط الثقافي الإعلامي عبر الإصدارات المسموعة والمكتوبة، والصحوة بكل أبعادها الحركية هي مجرد مفردة مطوّرة حلت محل مفردة اليقظة الإسلامية التي بشر بها رواد التيارات الإسلامية المعاصرة منتصف القرن التاسع عشر، أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

يغيب عن الكثيرين معرفة الفارق بين التيار الإسلامي وبين التدين باتباع التعاليم الشرعية وبين المذهب، فالأول يعني حصرياً الانطلاق بفكرة الدين من كونه علاقة روحانية بين الفرد وربه ـ عز وجل – تحفزه نحو تحسين علاقاته مع الأسرة والدولة والمجتمع إلى مستوى آخر ينظم فيه الدين جميع العلاقات من خلال السلطة، وتظهر الحدود الدنيا للتيارات الإسلامية ـ الأقل تزمتاً – في صورة مطالب إصلاحية تفسّق الأفراد الرافضين لها من جهة، وتداهن الدولة من جهة أخرى، ومع الوقت تنضج التيارات الإسلامية وتتسع قاعدتها الشعبية لتبلغ أعلى مراتبها في هيئة ما بات يعرف باسم الإسلام السياسي، وتتفق كل صور التيارات الإسلامية الحركية تلك في الطرح الشمولي لدور الدين في معالجة كل قضايا الحياة بصورة غير مفهومة تحتمل التأويلات والاجتهادات، التي يصطدم فيها إرث الماضي بالواقع المعيش.

تمر التيارات الإسلامية الآن بمرحلة صعبة، فسمعتها ساءت بعد الوجه القبيح الذي ظهر به «داعش»، والذي يعد أحد نتاجات التيارات الإسلامية بغض النظرعن قبول التيارات الإسلامية للتوجه الداعشي أو رفضه.

المصدر: الإمارات اليوم