د. حنيف حسن
د. حنيف حسن
رئيس مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي منذ العام 2014، وزير سابق، وأكاديمي، وكان مديراً لجامعة زايد.

هكذا يبدأ التطرف

آراء

كان جدلاً عقيماً وسقيماً، ذلك الذي أثير وشاع حول الاحتفال بـ«حق الليلة» أو ليلة النصف من شعبان منذ أيام، حيث اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي – تلك الأدوات الرائعة في التواصل والمعرفة – بعبثية تصل إلى درجة الفضيحة. بين اناس بسطاء اعتادوا على الاحتفال بهذه المناسبة وتوزيع الحلوى على الأطفال كل عام، وبين فتاوى التشدد وأبطالها في المعركة «الغلط».

اعتاد سكان هذه البلاد وغيرها من البلدان العربية والإسلامية منذ عقود، وربما قرون من الزمن، الاحتفال بهذه المناسبة، دون هذه الضجة الغريبة، وذلك الحشد الفارغ.

المشكلة في تصوري ليست في هذه المسألة بعينها، وإنما في ثقافة التشدد التي نشأ عليها البعض، ممن ضاق بهم الأفق، وضاقت بهم عقولهم القاصرة وأفكارهم البالية.

يرون في كل جديد أو مستحدث بدعة ضالة! لا يفرقون بين ما هو ديني، أو إرث اجتماعي أو إنساني. رؤيتهم البائسة حبيسة لقراءتهم المبتورة، وفهمهم السقيم لبعض النصوص الدينية واختزال معانيها ودلالاتها.

مع هذا الفكر المتشدد، يبدو طبيعياً إثارة أسئلة تنم عن فكر ضيق منغلق، يضيق بالخلاف، ولا يؤمن بتعدد وجهات النظر، ومعه كذلك، ينمو فكر الإلغاء، ويتطور إلى التهميش والإقصاء، ومآله الأخير إلى التكفير والتفجير.

ليس غير مسلسل «فكري» بغيض، ونموذج سيئ لفكر غير إنساني. والذي يفترض مع السوي منه أن يقبل بتعدد الآراء وتنوع الأفكار، يقبل بالخلاف، بل ويرحب به، ويبتهج بالتعددية ويحتفي بها، إيماناً منه بان كل ذلك، ما هو إلا تعبير عن طبيعة الفكر الإنساني المتعدد والمختلف، وإثراء لثقافته.

هؤلاء المتشددون يشكلون بذرة التطرف ونواته، وهم «مشاريع» إرهابية لا ريب في ذلك، فكرهم الساذج والمتخلف هو الذي يثير الجدل والمعارك حول مسائل بسيطة وعادية مثل الاحتفال بليلة النصف من شعبان، أو الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، أو الإسراء والمعراج…

تتراجع عند أصحاب مثل هكذا فكر الأولويات والاهتمامات، بل تكاد تختفي إلى درجة تثير الشفقة والحزن معاً، يصل بهم سذاجة الفكر وضحالته وهزالته إلى تفاصيل مضحكة مبكية، وأسئلة بائسة من قبيل: ما حكم طلب الأخ من أخيه أن يدعو له بقوله: لا تنسني من صالح دعائك؟

هذا السؤال البديهي – الذي ينم عن سائله بالأوصاف التي تقدمت – حقيقة وليس نكتة، بل فضيحة كبرى بكل المقاييس.

والمأساة في جواب «فضيلة الشيخ» وتفصيله في هذا الموضوع «الهام والخطير» لدرجة الملل والبؤس، حيث ذكر المحظورات في ذلك، وكراهية مثل هذا السؤال عند «بعض العلماء والأئمة» على حد قوله، ومن محظورات ذلك الطلب للدعاء: حتى لا يصيب المسؤول بالدعاء العجب والغرور! «إنا لله وإنا إليه راجعون» في هؤلاء ولهؤلاء. انتشار هذا الفكر وتحوله إلى ثقافة بين الشباب ظاهرة.

والمصيبة الكبرى في ذلك عندما يدعو بعض من يسمون بـ«الدعاة» إلى أن ذلك ضرورة دينية بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! كما يعتقد هؤلاء بأن هذا النهج الفاشل هو تنفيذ لتعاليم الدين واستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: بلغوا عني ولو آية.

غفل هؤلاء «الدعاة» وأتباعهم من الشباب أنصاف المتعلمين من المندفعين بالحماس «الغلط» عن أدوات العلم اللازم توافرها، وشروط الفتوى وضوابطها. وما نشاهده في ساحة الخطاب الديني المشوه شواهد حية على التخبط والانحراف عن النهج الرائع للدين الإسلامي الحنيف. مأساة الخطاب الديني أكبر مما نعتقد، ومشكلتها أعقد مما نظن.

وفي تصوري أن هذا الخطاب بحاجة إلى ثورة تصحيحية لإعادته إلى الجادة الصحيحة اللائقة به. ما نشاهده هو بيئة طبيعية لنوع التعليم الديني الذي تخرجه مؤسساتنا التعليمية، وخاصة الدينية. وبغير وقفات جادة وجريئة لإصلاح هذا الخلل، سوف نستمر في مشاهدة تلك الأمثلة المتقدمة، وهذه الفوضى وهذا الانتحار.

المصدر: البيان