الألمعي: شعراء تهامة أنبغ من شكسبير!

منوعات

الدمام: ميرزا الخويلدي

لم يتشرب أحد من الشعراء السعوديين رائحة القرية، مثلما فعل الشاعر التهامي إبراهيم طالع الألمعي، الذي أصبحت هضاب جبال ألمع وسفوحها، ووديان تهامة عسير وطبيعتها جزءا مكينا من تكوينه وثقافته. هناك، في جبال ألمع جنوبي السعودية ولد الألمعي عام 1951.

حتى في الشكل، الألمعي، الذي يحمل اسمه حافظ رمزين للمكان (طالع، ألمع)، حافظ على الشكل التقليدي لسكان المناطق المحلية هناك، فهو غالبا ما يحضر المنتديات والمناسبات بزيه التقليدي مرتديا البردة اليمانية.

وحين يصف نشأته في كنف القرية، يقول «قروي كان العالم لديه محصورا في 10 أسر في وادٍ ذي زرع تكتنفه الجبال العالية من جهات ثلاث.. وقرويون لا ضرورة لديهم لحذاء يفصل أجسادهم عن أرضهم، الحياة عندهم موجزة في شِيمَة وأرض ومواش ونحل».

دراسته الابتدائية، كانت في قريته. يقول لصحيفتنا، إنه كان في منتصف الخمسينات يتجه لدراسته «الابتدائية مشيا على الأقدام في لظى هجير التّهائم لتحين العودة إلى المنزل لتناول رغيف الذرة ثم النَّشْرَة مع الغنم حتّى الغروب وكتاب الهجاء وجزء (عمّ) وقلم الرّصاص (أبو حوت) لحل الواجب..».

بعدها تلقى تعليمه المتوسط والثانوي في معهد أبها العلمي سنة 1972، كما حصل على ليسانس في علوم اللغة العربية وآدابها من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – كلية اللغة العربية بالرياض عام 1976. وحصل على دبلوم الدراسات الإحصائية من معهد الإدارة العامة بالرياض لمدة عامين 1974 – 1975، كما حصل على دورة خاصة في اللغة الإنجليزية بكامبردج في بريطانيا.

دراسته الإحصاء أهلته للعمل إحصائيا، فتعليميا، مما دفعه للعودة إلى مسقط رأسه، ومنها جرى إيفاده إلى جمهورية الجزائر لمدة 4 سنوات للعمل في التعليم الجزائري، يقول: «تمكنت وقتها من الاطّلاع على أعماق الشعب الجزائري قيما وعزة وكرامة وحبا.. ومن هنا كانت الجدوى، ثقافيا واجتماعيا».

* القرية المظلومة

يعد إبراهيم طالع الألمعي من الشعراء الذين اقترن شعرهم بالأرض وبالبيئة التي يعيشون فيها، فكل قصيدة تفوح منها رائحة المكان، ويمكن بسهولة رصد الأثر في عناوين قصائد في ثلاث مجموعات شعرية: «هجير»، «سهيل امْيَمَانِي»، «نِحلة سهيل»، وله ديوان تحت الطبع هو: «وافاطمة».

ومن النثر، صدر له عدد من الدراسات والكتب، بينها: «الموت إلى الداخل»، «الشعر الشعبي نبض حياة»، «زمن وآفاق أمة – تعليمنا: الرسالة والهدف»، «منابت»، وكتابان بعنوان: «موجز المنجز» أحدهما ترجم إلى اللغتين، الإنجليزية والفرنسية. وكتاب: «توبة سلفي»، صدر عن دار طوى 2011، وكتاب: «من قيم الشعر الشعبي في عسير»، وله كتب مخطوطة منها: «القبيلة العربية – البِنَى والتَّحولات» – دراسة في بنيوية القبيلة العربية (مشترك)، وكتابان تحت الإعداد: «مدينة المؤمنين – نجران»، و«التصوف في عسير والمخلاف السليماني».

حضور القرية في شعره، جعله يقول في ديوان (هجير): غاصت القرية في أبنائها / أيهم برٌّ وأي القوم نافرْ.

ويعد إبراهيم طالع أن القرية لم تأخذ حقها من أبنائها الأدباء. يقول: «أشعر في داخلي بحاجة إلى نصرة كل مظلوم، وليس هناك مظلوم لدينا كالقرية التي صارتْ كمدن الملح التي أنشأها النفط لدينا، فقدْ صارتْ ذات أسوارٍ ودُسُر».

ويضيف: «غابتْ عن قريتنا قرويتها، فلعلّ لهذا الشعور أثر في تعلقي بها… لكنّ الحقيقة أن الأرض نفسها أودية وجبالا هي الوفية، وتالله إني أشعر بأنها تستقبلني في إيابي بالغناء والاحتفال.. ينتابني لرؤياها ما ينتابك للقاء حبيبك بعد الفراق».

* شاعر الأرض

يتعالى مفهوم الأرض والقرية في شعر إبراهيم طالع الألمعي، ليتجاوز المكان الذي نشأ فيه، فهو غالبا يجد فيه صورة مصغرة عن وطن كبير أحبه، وحبيبة تعلق بها.

وحين سألناه عن هذا الحضور الضافي للمعنى في شعره، وهل يخشى أن يحصره ذلك في نطاق محلي ضيق، قال: «الفنّ الحقيقي هو ما نبع من ذاتك: ذات المكان، ولا تغْتَرِرْ بكلمة (عالميّ)، فكثيرا ما ظُلِمَ هذا المصطلح، لأنّ كلّ نقطة في الكون عالمية.. أنت عالمي وأنا كذلك، ومتحف (اللوفر) عالمي ولكنّ حِصْنا من حصون (ألمع) أيضا عالمي، (شكسبير) عالمي لكنّهُ لنْ يصل مطلقا إلى درجة شاعرينا العظيمين (الهازمي – ابْرَ عَشْقَة) مثلا، حيثُ عشْقة علَمٌ على قرينته من الجنّ – حسب الأسطورة العربية في الشاعرية – ، ولاحظ: اسم الجِنّيّة وارتباطه بالعِشق!».

يضيف: «لي رأي خاصّ في الشّعر، وهو ارتباطه بالمكان والذات النابعة منه، لا تقليد محفوظات الغير، والأرضُ بمضامينها جماليا وتاريخيا وقوميا هي الشّعر والحب والجمال..».

ويشير الألمعي إلى اثنين من عمالقة الشعراء في عسير، هما: محمد بن مانع الهازمي، والشاعر علي بن محمد بن شاهر عسيري، الملقب بـ«ابن عشقه»، وهو شاعر معروف ولد في عام 1889 وتوفي في 21 سبتمبر (أيلول) 2008 وعاش في جبل الأشقر في سودة عسير.

أما عن تهامة فيقول: «تهامة يا سيدي تختلف عن غيرها، فقد قال عنها النبي (ص) (تهامة كبِدْعِ العسل، أوله حلوٌ وآخره حلو) – والبِدْع: كوز مصوغ من الطين كانوا يضعون فيه العسل، وسُمي بدْعا لأنّ الإنسان يبْدعُه.. وليلها ليس كليل غيرها، فقد وصفته صاحبة «حديث أمّ زرع» بقولها في وصف زوجها أبي زرع: (أبو زرع كليل تهامة، لا حرّ ولا قرّ، ولا مللَ ولا سآمة).. والنّبي (ص) نفسه منها، ولذا يتبرّك المسلمون في أقطارهم بتسمية أبنائهم (التهامي)».

* المرأة وطن

حين يتغزل إبراهيم طالع الألمعي، فهو لا يرى حبيبته إلا مضمخة بعبق الأرض وهي تحرث الحقل وتستثير الينابيع. يقول: «هل جرّبتَ عاشقة تشْتعل حباّ، وتمتلئُ عروبة نقيّة، يختلط فيها عرقُ الكَدْح وعذوق الذّرة وسنابل الدّخن والقمح؟ هلْ جرّبت كادحة تعودُ مغربا من مراعيها ومزارعها لتجهيز حناّئها وتصفيف أطيابها العطريّة من البِرْكِ والرّيحان والشِّيح من أحواض منزلها ؟ لو حدثَ أنْ جرّبتَ هذا لأعطيتني كل الحقّ في الغوصِ أرضا بعيدا عن زحمة الكائنات على السطح…».

وهو لا يجد تعارضا بين صورة المرأة التي يعشقها وسط الحقل، وصورة المرأة كأرض ووطن. وحين نسأله عن هذا التداعي في المعنى، يجيب: «يصعب التفريق بين مكونات الوطن!، فالمرأة وطن، والأرض وطن، وانتماؤك وطن، واللغة وطن، واللحن وطن… والحقيقة: فعلا أخوف ما أخافه على أودية الحياة هو تصحّرها».

* صراع مع الرقيب

حين يكتب إبراهيم طالع الألمعي الشعر يستحسنه الجميع.. ولكنه يختلف الناس من حوله حين يكتب المقالة، فتنهال عليه النبال والرماح، فهو كاتب مشاكس، ولديه سجل حافل مع الرقيب.. وحين سألناه: هل تتعمد المشاكسة في مقالاتك؟.. أجاب: «بالنسبة للمقالة – فأشهد الله وأشهدك – على أنني لا أبحث فيها عن مشاكسة ولا أفضّلُ رماحا، وأن ما وجّه إلي من رماح – عبر إيقافاتي الخمسة وللأسف – أمر يؤلمني كثيرا ويحزّ في نفسي، لأنني أعلم أنّ تلك الرماح ليست من ولي أمر (..) وأنّ كلّ ما أكتبه نابع من قلب الأرض التي لمْ يعدْ كثيرون ممّن فوقها ذوي علاقة بقلبها.. غير أنني مقتنع بقلبيّتي لها برماح أو بغيرها».

وبالنسبة لعلاقته المتوترة مع الرقيب، يرى أنها: «ليستْ متوتّرة (..) ومعروفٌ عنّي في علاقتي بأحبتي الإعلاميين أن الرقيب رقيبي بمفهومه هو لا بمفهومي أنا وهذا حقه مهما كان مستواه وقد وضع هنا، وأقول له بالنص: أنت الأفقهُ بالرقابة، فحافظْ على رزقك ورزقِ بنيك، ولا يسعدني قطع رزق إعلامي كي يقال إنك كاتب قوي، وقد طلبتُ من كل الإعلاميين عدم إشهار إيقافاتي، وأنْ تتمّ بهدوء».

* رثاء العولمة

سألنا إبراهيم طالع: في قصيدتك «رثاء عمر»، من كنتَ ترثي حين تقول:

كانَ عيبا على الرجالِ البكاءُ

وصمودا جفافُهمْ والرِّيَاءُ

يا ابنة العربِ شيمتي الصبرُ إلا

حينَ تغزوكِ دمعة خرساءُ

أجاب: «كنتُ أرثي المرأة العربية بكل مكوناتها القِيَمِيّة والجمالية والحياتية… ولا بدّ أنك معي في هذا، ثمّ لنا أن نطلق على هذا اختلاف الزمن والحياة وتغيراتها، أو العولمة، أو الحاجات، أو الشّعور بالنقص الحضاري (وهذا ما أميل إليه)، وإلا فلمَ تتعولم المرأة لدى غيرنا بثقافتها، ولدينا تنسلخ المرأة من ثقافتها وحقوقها وحتى نوع جمالها، حتى كتبتُ ذات مرة عن شُقْرَة العرب؟».

أخيرا، سألنا إبراهيم طالع: حين يستريح على جبال ألمع، كيف يرى الأفق من بعيد؟

أجاب: «أراه زحامَ كائنات بشريّة تتكاثر بمتواليات هندسية مادّة كلَّ الأيدي لطلب المال الجاهز دون مقابل إنتاجي أنتجوه.. أراه سربا من الجراد المُسَمَّمَة تغطّي الأرض والزرع.. أرى بشرا لا أرض لهم.. أرى ممثِّلين يزدحمون على تمثيل الدِّين تمثيلا يسيء إليه، ويصرون على أنّ ما لديهم هو من الله وما لديك هو من غير الله.. هناك خلط كبير في المفاهيم».

المصدر: الشرق الأوسط