د. وحيد عبد المجيد
د. وحيد عبد المجيد
رئيس مركز الأهرام للترجة والنشر ، حاصل على دكتوراة الفلسفة في العلوم السياسية من جامعة القاهرة 1992

«الإخوان» والجيش… وبينهما «حماس»

آراء

ليس وزير الخارجية الأميركي الأسبق والأشهر هنري كيسنجر وحده الذي يتوقع حدوث مواجهة بين الجيش وجماعة «الإخوان» في مصر. وقد لا يكون هو أول من عبر عن اعتقاده بأن هذه المواجهة ستقع إذا لم يتمكن الطرفان من التفاهم على آلية فعاّلة لتجنب حدوث أزمات كبيرة بينهما أو احتوائها في مهدها بطريقة الإنذار المبكر.

ورغم أن كيسنجر تحدث في هذه المسألة مرات عدة في الأشهر الأخيرة، فقد بدا أنه أكثر ثقة عندما أجاب على سؤال بشأنها في 8 مارس الجاري خلال مشاركته في أعمال المؤتمر السنوي لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي في نيويورك، حيث قال إن الأزمة بين الجيش و«الإخوان» في مصر ستأتي لا محالة.

والأرجح أن كيسنجر يتابع جيداً الوضع الذي يزداد اضطراباً في مصر ويدفع بعض الخائفين مما تحمله الأيام القادمة إلى دعوة الجيش للتدخل وتنظيم فعاليات لدعمه.

لكن الأرجح أن اللهجة القاطعة التي تحدث بها ارتبطت بازدياد الشواهد الدالة على تباين مواقف الرئاسة ومن ورائها جماعة «الإخوان» وقيادة الجيش تجاه الوضع في غزة عموماً وحركة «حماس» خصوصاً. فقد توالت الأحداث منذ أوائل فبراير الماضي كاشفةً هذا التباين الذي لم يعد ممكناً تغطيته، بين موقف منضبط باعتبارات الأمن القومي المصري وقواعده المجردة دون غيرها، وآخر تختلط فيه هذه الاعتبارات بالعلاقات الوثيقة بين جماعة «الإخوان» وحركة «حماس».

وكان اتجاه الجيش إلى تكثيف العمل من أجل هدم الأنفاق المحفورة تحت الحدود بين مصر وقطاع غزة مؤشراً إلى أن السياسة لم تجد نفعاً في هذا المجال. وحين لا تفيد السياسة حيث كان ينبغي أن تنفع، يصبح الأمر متعلقاً بغياب الإرادة وليس بصعوبة المشكلة. فبإمكان القيادة السياسية المصرية أن تطلب من «حماس» هدم الأنفاق، أو على الأقل إحكام غلقها، سواء بشكل مباشر أو عن طريق مكتب الإرشاد العام لجماعة «الإخوان». فلهذا المكتب، الذي يقوم بدور رئيس في صنع السياسة المصرية، نفوذ كبير يستطيع ممارسته على حركة «حماس».

وكان مفترضاً غلق هذه الأنفاق منذ فتح معبر رفح الحدودي بشكل منظم بُعيد تولي مرسي السلطة. فلم يعد القطاع محاصراً من البر على نحو يجعل وجود مثل هذه الأنفاق متنفساً لسكانه. كما أن الحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل أصبح مرناً منذ توقيع اتفاق التهدئة الأخير مع «حماس» برعاية سياسية مصرية.

ويُعد قبول «حماس» هذا الاتفاق، الذي رفع أسهم سلطة «الإخوان» المصرية في الولايات المتحدة وأوروبا، دليلا على أن بإمكان هذه السلطة إقناع «حماس» أو الضغط عليها لغلق الأنفاق. وحين لا تقوم السلطة السياسية بذلك، ويضطر الجيش لتحمل مسؤوليته لحماية أمن مصر من الخطر الذي يعبر تلك الأنفاق، فهذا مؤشر واضح على تباين بينهما بشأن كيفية التعامل مع «حماس» ومجمل الوضع في القطاع.

وقد ازداد الجدل حول هذا التباين عقب إحباط محاولة تهريب أقمشة مطابقة لتلك التي يُصنع منها الزي العسكري للجيش المصري إلى غزة عبر أحد الأنفاق يوم 17 مارس الجاري. فبينما التزمت رئاسة الجمهورية الصمت، حرصت أجهزة الأمن على إعلان نبأ ضبط تلك الأقمشة لتنبيه المواطنين إلى الخطر الذي يترتب على حيازة جماعة غير مصرية –أو حتى مصرية– زي الجيش أو ما يماثله.

وكان تبني بعض قادة «الإخوان» التبرير الذي لجأت إليه «حماس»، وهو أن الأقمشة المضبوطة تُستخدم في تصنيع ملابس للأطفال فى غزة والملابس المموهة لأفراد المقاومة في مناطق التماس مع القوات الإسرائيلية، مثيراً للانتباه.

ولذلك أثارت هذه الواقعة المزيد من الأسئلة حول التباين بين «الإخوان» والجيش حيال حركة «حماس»، خصوصاً في ظل تجدد الجدل حول اتهامها بالتورط في مذبحة قتل 16 جندياً مصرياً في مدينة رفح الحدودية في أغسطس الماضي.

فقد نشرت مجلة «الأهرام العربي»، في عددها الصادر يوم 14 مارس الجاري، تقريراً يؤكد أن منفذي تلك المذبحة كلهم من «كتائب القسام» الجناح العسكري لـ«حماس». وأكد رئيس تحريرها أنه تحقق من صحة معلوماته عبر مصادر أمنية. ورغم تجديد «حماس» نفيها وإعلانها عدم وجود دليل على صحة هذا الاتهام ومهاجمتها من رأت أنهم يريدون تصفية حسابات مع «الإخوان»، فلم يصدر عنها تفسير لتكرار ورود اسم أيمن نوفل في أعمال عنف ضد أهداف مصرية. فكان نوفل، الذي يتردد اسمه منذ مذبحة قتل الجنود المصريين في رفح قبل أكثر من سبعة أشهر، متهماً في عمليات التفجير في شرم الشيخ في يوليو عام 2006. وألقت السلطات المصرية القبض عليه بعدها بأكثر من عامين داخل سيناء، وحوكم وأُودع في سجن المرج إلى أن تم تهريبه منه أثناء الاجتياح الذي تعرضت له سجون عدة بُعيد انهيار جهاز الشرطة خلال الاحتجاجات التي بدأت في 25 يناير 2011.

ورغم أن علامات الاستفهام حول دور «حماس» في مذبحة رفح موجودة منذ وقوعها، فقد أخذ تجدد الجدل حولها أبعاداً أكبر لتزامنه مع محاولة تهريب أقمشة مطابقة للزي العسكري المصري وتحركات غريبة لعناصر ربما تكون تابعة لها داخل مصر. فقد ضبط رجال الأمن في مطار القاهرة يوم 12 مارس الجاري سبعة فلسطينيين وبحوزتهم خرائط لمواقع مصرية. وكانوا قادمين من سوريا في طريقهم إلى غزة. كما ضبطت قوات الأمن ثلاثة فلسطينيين في مناطق مختلفة في سيناء، وتبين أنهم دخلوا عبر الأنفاق رغم أن معبر رفح مفتوح.

وهكذا تبدو حركة «حماس» هي المعضلة الرئيسية التي تواجه مستقبل العلاقة بين جماعة «الإخوان» والجيش، والمصدر الأساسي للخلاف بينهما. فبإمكان الطرفين أن يتعايشا مهما كانت الخلافات بينهما بشأن الأوضاع الداخلية، وبغض النظر عن المدى الذي قد تبلغه استغاثة قطاعات من المجتمع بالجيش إذا لم يراجع «الإخوان» طريقتهم في إدارة السلطة ويستوعبوا الغضب المتنامي ضدهم. وليس وارداً أن يتدخل الجيش لأي سبب داخلي إلا إذا أدت سياسة «الإخوان» إلى ازدياد الاضطراب واحتدام التوتر وحدوث مواجهات تحمل نُذر حرب أهلية لا قدر الله.

غير أن الأمر قد يختلف في حال تحول سلوك حركة «حماس» من قضية خلافية إلى أزمة تنطوي على خرق للمعايير التي يعتمدها الجيش لقياس حالة الأمن القومي المصري، خصوصاً إذا تجاهلت قيادتها هذه المعايير أو استهان قادة «الإخوان» بالعقيدة العسكرية المصرية ولم يقدّروها حق قدرها في الوقت الذي يزداد الوضع في سيناء خطراً.

المصدر: جريدة الاتحاد