رزان خليفة المبارك
رزان خليفة المبارك
الأمين عام لهيئة البيئة - أبوظبي

الثروة السمكية تنادي أهلها في الخليج

آراء

كانت الثروة السمكية تشكل أحد المصادر الاقتصادية الأساسية في منطقة الخليج العربي قبل اكتشاف النفط، واشتهر شعب الخليج بالغوص والصيد منذ قديم الزمان، فالخليج العربي يتميز بتنوع أسماكه والكائنات البحرية الأخرى التي تعيش فيه، والتي قلما توجد في المناطق البحرية الأخرى ويعود ذلك إلى طبيعته شبه المنعزلة فهو يشبه البحيرة وتتميز مياهه بدفئها وهدوئها.

تولي دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ قيام الاتحاد في العام 1971، اهتماماً كبيراً بقطاع الثروة السمكية، اعترافاً بأهميته كحجر أساس في تكوين وتعريف حضارة وتراث الخليج العربي بشكل عام، ودولة الإمارات بشكل خاص. ونتيجة لاهتمام الدولة بهذا القطاع ودعمها للصيادين، زاد إنتاج الأسماك من 40 ألف طن إلى 95 ألف طن خلال عشرين عاماً.

ولكن تعاني الثروة السمكية في الوقت الحالي من تراجع كبير ساهمت فيه يد الإنسان إضافة إلى العوامل الطبيعية مثل التغير المناخي. فعلى الرغم من زيادة حجم الإنتاج إلا أن مخزون الأسماك قد تراجع خلال الثلاثين عاماً الماضية بأكثر من خمسين بالمئة، فالمخزون الطبيعي للأسماك يتأثر بجهد الصيد أي عدد عمليات الصيد وتكرارها. كما تلعب المعدات المستخدمة في الصيد دوراً مهماً في تراجع نسبة المحزون إذا لم يتم استخدام الشباك والأدوات الصحيحة الموصى بها، ويبين تقرير أعدته هيئة البيئة- أبوظبي، أن طريقة الصيد الأكثر شيوعاً هي الصيد بالقرقور وهو عبارة عن قفص صيد شبكي سلكي نصف كروي يستهدف أسماك القاع ومنها الهامور. وبالمقارنة مع أدوات الصيد الأخرى كالحلاق والحظرة وهو قفص تحويط ينصب في المناطق الواقعة بين المد والجزر، حيث يستهدف أنواعاً مختلفة من الأسماك، يعتبر القرقور وسيلة غير انتقائية في حال عدم استخدامه بطريقة مناسبة في الصيد، وبالتالي يؤثر سلباً على أعداد أسماك الهامور في مياه الخليج، الأمر الذي أدّى إلى اتخاذ التدابير الإدارية مثل إصدار قرار تحديد عدد 125 قرقوراً لكل لنش صيد بإمارة أبوظبي.

ولتدهور المخزون السمكي تبعات سلبية على الاقتصاد من جهة -وبصورة خاصة على الصيادين- وعلى الحياة البحرية من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال، يؤدي تراجع أعداد الأسماك إلى ازدهار الطحالب الضارة ونقص المواد اللازمة لتغذية النباتات البحرية مثل النيتروجين والفوسفور. ولا تقع مسؤولية نقص أعداد الأسماك على كاهل الصيادين فحسب، وإنما هناك أمور أخرى تؤثر سلباً على الثروة السمكية أبرزها مشاريع التطوير الساحلية المقامة على مقربة من الشاطئ أو في المياه وتؤثر على البيئة البحرية والأسماك الموجودة فيها جراء عمليات الردم والهدم وفقدان الموائل الطبيعية لتكاثر الثروة السمكية. كما تساهم هذه المشاريع في ظاهرة الاحتباس الحراري التي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وتؤثر على نسبة ملوحة المياه ما ينعكس سلباً على الحياة البحرية بشكل عام.

علينا ونحن نسعى للتطور في جميع المجالات، أن نعي مشكلة تراجع الثروة السمكية واعتماد أفضل الطرق لتجنّب خسارتها على حساب العمران.

إذا، ما البدائل؟ و كيف نعالج مشكلة نقص المخزون السمكي والتهديدات التي تواجه ثروتنا السمكية؟

من الضروري وضع ضوابط وقوانين ملزمة للصيادين تنظّم عمليات الصيد وتحدد أفضل الطرق لممارسته سواء كحرفة أو كهواية. الهدف من وضع هذه القوانين هو خلق توازن بين حجم مخزون الأسماك وجهد الصيد، فالصيد غير المنظم لا يتناسب مع طاقة المخزون وقدرته الإنتاجية، إذ من الممكن أن يركز على نوع معين، وبذا يحرمه فرصة التكاثر وإثراء المخزون الطبيعي. فعلى سبيل المثال، يحتاج الهامور إلى ثلاثة أعوام ليصل إلى مرحلة النضوج التي تمكنه من التكاثر، وعلى الرغم من ذلك، تتم عمليات صيد لصغار سمك الهامور، الأمر الذي يقلل من كمية هذا النوع من الأسماك. كما تنظم هذه القوانين مواسم الصيد المناسبة لكل نوع وتعرّف الصيادين والعاملين في تجارة الموارد السمكية إلى الأطوال المسموحة للأسماك، حيث يحتاج السمك للنمو بشكل أفضل لكي يتمكن من التكاثر. على سبيل المثال لا يمكن صيد الفسكر إذا كان طوله أقل من 22 سنتيمتراً، أو الجش ( نعيمي- أم الحلا) إذا كان أقل من 20 سنتيمتراً.

وللتأكّد من أن الأنظمة والتشريعات منصفة بحق الصيادين ولا تؤثر سلباً على مدخولهم المادي، تقوم هيئة البيئة- أبوظبي حاليا بمشروع مسح اجتماعي واقتصادي للمصايد السمكية في إمارة أبوظبي يهدف إلى توفير لمحة شاملة عن التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لقطاع المصايد السمكية في أبوظبي. وسيتم تحقيق ذلك عن طريق إعداد بيانات اقتصادية واجتماعية وتقييمات لجميع قطاعات المصايد السمكية الفرعية على نطاق المصايد السمكية الطبيعية ومصايد استزراع الأحياء المائية على حد سواء. وتتضمن مخرجات المشروع إعداد أداة محاكاة نموذجية لتقييم تأثير القوانين ولوائح مصايد الأسماك على المجتمع والاقتصاد وتوفير قاعدة بيانات اقتصادية واجتماعية وتنظيم ورشة عمل لأصحاب المصلحة المعنيين. ولتسهيل عملية بيع الأسماك المصطادة من قوارب الصيد للمستهلك مباشرة، تعمل جمعية أبوظبي التعاونية لصيادي الأسماك حاليا على افتتاح سوق كبير لبيع الأسماك المحلية والمستوردة في أبوظبي يستوفى 75 محلا ، قسّم كل منها إلى ثلاثة أقسام منفصلة، خصص الأول لعرض الأسماك، والثاني لتنظيفها، والثالث لحفظها في برادات، ومن المتوقع أن يصبح السوق وجهة سياحية، تدرج ضمن نشاط وفعاليات الشركات السياحية نظراً لإمكانياته. كما يتأكّد موظفو جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية من الطرق الصحية لعرض وتنظيف وحفظ الأسماك بطريقة سليمة لا تؤثر سلباً على صحة المستهلك، واستبعاد والتخلص من السمك الفاسد. بالإضافة إلى القوانين، يأتي دورنا كمواطنين ومقيمين في دول الخليج العربي، فنظرة سريعة على قائمة الأصناف المهددة مثل الهامور والشعري والنيسر والكوفر والجش وحتى البياح و البدح والكنعد، تؤكد أن استهلاكنا العالي لهذه الأنواع هو السبب في وضعها على هذه اللائحة، إذ تشكّل هذه الأصناف المهددة 70% من إجمالي محصول الصيد. إذاً، شعبية هذه الأنواع تهدد وجودها وتقلل من مخزونها في مياه الخليج.

نحن بحاجة إلى مخاطبة المستهلك لنساهم جميعاً في إنقاذ الثروة السمكية من خلال اعتماد أساليب أكثر وعياً في اختيار أنواع الأسماك التي نتناولها. فيمكننا على سبيل المثال الاستغناء عن أسماك الهامور والشعري والكنعد وغيرها من الأصناف المهددة واستهلاك عوضاً عنها أسماك الينم، والنيسر والهلالي التي تتوافر بكثرة وتحتوي على نفس المواد الغذائية كالأوميجا 3 و الفيتامين بي 12 والفوسفور. وبذلك نساهم بطريقة فعّالة في حماية البيئة البحرية من دون أن نتخلى عن المواد الغذائية التي نحتاجها في وجباتنا اليومية. للكل دور في الحفاظ على هذه الثروة التي يراها الكثيرون إرثاً وطنياً مهماً. الباحثون والطلبة الجامعيون وحتى هواة الصيد قد يكون لهم التأثير الأكبر إذا ما تعاونوا في زيادة الوعي المجتمعي حول البيئة البحرية بينما تضمن القوانين والضوابط استدامة الثروة السمكية لتتمتع بها الأجيال القادمة.

المصدر: صحيفة الاتحاد