جمال خاشقجي
جمال خاشقجي
كاتب سعودي ويشغل حالياً منصب مدير قناة "العرب" الإخبارية

الرومي وابن سينا.. وطريق السلف الآمن

آراء

أمضيت أياماً في رحاب «ابن سينا»، إنه أكثر من طبيب، إنه مسلم محتار، حياته صاخبة بالأسئلة والسياسة والحب والرغبة في الحياة ومتعها، إنها رواية «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان» للقاص الفرنسي المغرم بالشرق «جيلبرت سينويه»، وقبل أن تهدأ أسئلتي التي فجرتها الرواية الرائعة، أهدتني زوجتي فيلماً عن «جلال الدين الرومي» ليزيد من الأسئلة والحيرة.

أعتقد أن فهم ابن سينا «توفي 1037 ميلادية» أقل صعوبة من جلال الدين الرومي «توفي 1273» فالأول كان يبحث عن السعادة في هذه الدنيا بالبعد عن السياسة والتفرغ للعلم وخدمة الإنسان، بل وحب الإنسان دون التفكير في أصله وكينونته وعرقه ودينه، الرومي اتفق مع ابن سينا في ذلك، ولكنه يبحث عن السعادة بعيداً عن هذه الدنيا، بل حتى بعيداً عن «العالمين» إنه يريد حباً مطلقاً، مثالياً، بعيداً، لا حدود مادية أو جسدية له، بينما كان للجسد واللذة مكان في سعادة ابن سينا.

جلال الدين الرومي أبحر بالصوفية بعيداً، حتى كاد أن يجعلها مذهباً له طقوسه، أما ابن سينا فلقد قبل بالدين والشريعة كما هي، ولكنه اختلف مع محيطه في مآلات الدين ومقاصده فقبلوه طبيباً ورفضوه فقيهاً، ولكنهما يجتمعان في التسامح والدعوة للوفاق بين أتباع كل الأديان، وإن اشتهر الرومي بذلك أكثر فأضحى أشهر شاعر حب عبر مئات السنين، ولعله مشهور في الغرب أكثر مما هو مشهور بيننا في العالم العربي، إلا في تركيا فهو يكاد يكون ضميرها، فطريقته المولوية هي الطريقة الصوفية الأوسع انتشاراً وأتباعاً، بل حتى التركي غير المتدين أو العلماني، يلجأ إلى حفلاتها وجلسات «السماع» كي يخفف عن نفسه ضغوط الحياة.

ملأت الموسيقى المكان، بينما كان الدراويش يدورن حول أنفسهم، اليد اليمنى نحو الأعلى واليسرى للأسفل، الرأس مائلة وعليها قبعة عالية ترمز لشاهد القبر، الرداء الأبيض يرمز أعلاه للقبر وأسفله الذي يعلو كدائرة كلما أسرع الراقص الذاكر بالدوران ليرمز لكفن الإنسان، أشعار الرومي تتمحور حول «الاشتياق» والذي به يكون الحب الحقيقي، اشتياق العبد لخالقه، وطالب العلم لمعلمه، والمنصوح لناصحه، ولكل من ينير الطريق للسالك.

من المتع، السماع لهذه الأفكار بتجرد من الأحكام المسبقة، وأنها نتاج حضاري إسلامي وإنساني، ولكني تعلمت كمسلم نشأ في أجواء سلفية، تحصر مسالك الحق فيما جاء به صريح الكتاب والسنة، وطبقه السلف بأنفسهم في ترجمة لما فهموه ووعوه عن الرسول الهادي عليه الصلاة والسلام مباشرة، أو عن أتباعه المباشرين، أن أحافظ على ما أسمعه وأقرأه في دائرة «الإبداع الحضاري» وليس منهجاً للتعبد، التأمل نعم.. ولكن ليس التعبد، فمسالك السلف هي الآمنة، فلو علموا بطريق آخر لأرشدوا مَن حولهم إليه، بل كانوا يتناصحون، فكلما بعد أحدهم عن الجادة وجد من يعيده إليها.

ارتحت لهذا الحل، أن أقرأ عن ابن سينا وغيره، وأستمع وأتأمل أقوالهم في الفلسفة وإن بعدت عن قناعاتي، وأن أتمايل مع أشعار الرومي وأستمتع بلوعة «الاشتياق» معه للوصول إلى الحب الصافي، ولكن في العبادات والإيمان أعود إلى الطريق الآمن، منهج السلف الصالح، رضي الله عنهم.

المصدر: مجلة روتانا