عائشة سلطان
عائشة سلطان
مؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان

السياسة ليست كرة قدم!

آراء

يبدو العرب غرائبيين جداً في تعبيراتهم عن انتماءاتهم السياسية وتوجهاتهم، غريبين حد التطرف والأحلام الساذجة أحياناً، وحد الوقوع في الرهانات المكرورة والخاسرة، العرب يعلمون جيداً ما هي مشكلاتهم السياسية وما هي سوءاتهم الحضارية، يعلمون لماذا لا يتقدمون كبقية الأمم المتقدمة التي يتمنون أن يكونوا مثلهم بنفس الدرجة التي يكفرونهم ويتمنون زوالهم، يعلمون حل المعادلة لكنهم لا يريدون حلها، هذا هو المقصود بانعدام الإرادة السياسية العربية لبلوغ القمة، لذلك هم يراهنون على زعماء ليسوا زعماءهم ليقولوا إنهم ضد حكامهم، ويشجعون فرقاً وأندية لا تمت إليهم بصلة، ليعبروا عن استيائهم من ضعف إدارة التنمية في بلدانهم، مع أن السياسة ليست لعبة كرة قدم!

ينقسم العرب اليوم بشكل مخيف وعدائي حول تفسير الانقلاب العسكري التركي أولاً، ويقفون مواقف عدائية من بعضهم بعضاً بسبب الموقف من شخصية طيب رجب أردوغان ثانياً، فتجدهم في الصحافة وعبر البرامج الحوارية ومواقع التواصل يتشاتمون ويرمون بعضهم بأبشع الصفات، وقد يصل بهم الأمر إلى التضحية إن اقتضت مصلحة أردوغان ذلك، دون سبب منطقي لكل هذه العدائية ولهذا التأييد العاطفي، فالمنطق غير موجود تماماً في هذه المسألة، هناك غوغائية وعاطفية مبالغة، وانتساب لمواقف حكومية أو حزبية غبية، أو لكاريزما أحد المذيعين أو أحد المشايخ الذي أقنع أتباعه، إما بملائكية أردوغان فصدقوه أو بأنه إبليس فقالوا آمين بلا تردد!

إن تكوين أو اتخاذ مواقف التأييد والرفض من الأحداث السياسية حولنا حتى وإن كانت بعيدة عنا أمر ضروري لسببين: الأول أننا مهما تباعدنا جغرافياً فنحن جزء من هذا العالم نؤثر ونتأثر بكل ما يحدث فيه وله، باعتبار العالم ليس سوى قرية صغيرة، أما السبب الثاني فينطلق من حق أصيل هو حرية تكوين الآراء والمواقف والتعبير عنها، لكن هذا الحرية محكومة بالمعرفة والثقافة والوعي والمصلحة العامة واحترام القانون، وليست مطلقة كوحش هائج يحطم كل شيء في طريقه تحت ذريعة حرية التعبير!

هناك من لا يعرف شيئاً عن تركيا وتطورها وأطيافها الاجتماعية، وتوجهات شبابها وآلية تفكير النخب فيها، وعلاقات المصالح والبراغماتية السياسية التي تضبط إيقاع الأحزاب المتنافسة، ومدى عمق العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب، وطبيعة الإسلام السياسي المعتدل والمختلف عن الإسلام عند كثير من المتشددين العرب، أن تعجب بنموذج تنموي أو تطور بلد أو لا تعجب بسياسته، فهذا أمر مقبول، لكن أن تتبع شخصاً أو زعيماً على جهالة ودون معرفة عميقة ثم تعادي الآخرين وتشتمهم، وتصبح تركياً أكثر من الأتراك أنفسهم فهذا هو العجب العجاب!

المصدر: البيان