خلف الحربي
خلف الحربي
كاتب سعودي

العالقون على جسر الملك فهد

آراء

كيف يحول المسؤولون المهملون والموظفون النائمون أي إنجاز حضاري إلى عقدة مستعصية ؟، الأمثلة في هذا المضمار المحفور كثيرة ومتنوعة، حيث يمكن استعراض العديد من المشاريع التي كلفت خزينة الدولة المليارات، وأشرفت على بنائها كبرى الشركات العالمية، ولكن المسؤولين الذين أداروها حولوها إلى قلاع بشعة للإهمال والبيروقراطية .

جسر الملك فهد الذي يربط بين المنطقة الشرقية والبحرين كان إنجازا تاريخيا في وقته، أذكر أنني سافرت إلى البحرين بحرا في مركب كان يحمل إضافة إلى المسافرين أثاثا منزليا، وشحنة بطيخ، وكنا نسير بمحاذاة الجسر الذي لم يفتتح بعد، وكان الناس يتحدثون عنه كأسطورة سوف تغير طبيعة الحياة في البلدين. أما يوم الافتتاح فقد كان يوما وطنيا في البلدين الشقيقين، بل وفي سائر دول الخليج .

اليوم أصبح المسافر يقضي ثلاث ساعات أو ربما أكثر كي يعبر هذا الجسر؛ أي أنه لو سافر سباحة لو صل قبل أصحاب السيارات العالقة على الجسر، والسبب بالطبع هو طريقة عمل الموظفين في الجسر، حيث الكسل و ( التمطط ) هو العنوان الأبرز في هذا المكان. فرغم وجود عدد هائل من البوابات التي بإمكانها تمرير هذا العدد الهائل من المسافرين وخصوصا في أوقات الذروة إلا أنه يتم الاكتفاء بفتح بوابتين أو ثلاث تتكدس أمامها السيارات في خطوط متعرجة، وتعيش فيها العائلات ساعات مملة ومزعجة داخل السيارات دون أن يتكرم أحد بفتح واحدة من البوابات الكثيرة المغلقة، بل إن بعض المسافرين يشتكون من أنهم حين يصلون بعد جهد جهيد إلى إحدى البوابات يخبرهم الموظف بإغلاق البوابة، وأن عليهم أن يصفوا من جديد أمام بوابة أخرى ! .

وإضافة إلى مشكلة البوابات المغلقة تتجلى مشكلة النقاط الكثيرة التي يجب أن يمر بها المسافر قبل العبور، ومنها على سبيل المثال نقطة دفع رسوم استخدام الجسر، وهذه يمكن تسهيلها من خلال فتح المجال للاشتراكات السنوية لمن يعبرون الجسر بشكل دائم، حيث توضع ملصقات خاصة على السيارة يمكن قراءتها إلكترونيا، وهذه تكنولوجيا قديمة ومستخدمة في الكثير من دول العالم، وكذلك ثمة نقطة أخيرة للتأكد من ختم الجوازات وهي نقطة ليس لها فائدة سوى المزيد من التعطيل، حيث إن من يستخدم هذا المسار لابد وأن يكون قد مر على الجوازات إلا إذا كنا نتخيل أن ثمة مسافرين قد يخرجون من البحر ! .

تقليص الوقت الذي يقضيه المسافر على الجسر هو المقياس الذي يمكن من خلاله تقييم نجاح هذا المشروع العملاق، والجهد الأهم الذي يجب أن يبذله العاملون في الجسر يجب أن يتركز على وقت المسافر الذي لن يستفيد شيئا إذا كان يريد السقر إلى البحرين والعودة في اليوم نفسه، بينما هو يقضي ثلاث ساعات في طريق الذهاب ومثلها في طريق الإياب، صحيح أن ما كتب حول هذه المشكلة بالذات يمكن أن يبني جسرا آخر من الكلام الذي لا يحرك أذهان النائمين، ولكننا نكرره كي لا يغرق هذا الإنجاز الكبير في بحر الإهمال، ويعود الناس إلى المركب الذي يحمل شحنة البطيخ ! .

المصدر: عكاظ