بدر الراشد
بدر الراشد
كاتب سعودي

العراق.. وقتال «البرابرة»

آراء

تقدمت القوات العراقية -أو ما تبقى منها- لتحرير عين العرب أو (كوباني)، وتطهير محافظة ديالى خلال الأسبوع الماضي. تمت العمليات العسكرية بالتعاون مع قوات البيشمركا الكردية، وبالاعتماد الكامل على ما يعرف بقوات «الحشد الشعبي»، وهي لافتة عامة وتسمية لطيفة لميلشيات طائفية عدة، أهمها فيلق بدر أو منظمة بدر بقيادة هادي العامري، وزير النقل العراقي السابق.

هذا الخليط يقاتل تنظيم داعش، اعتماداً على دعم من الحرس الثوري الإيراني، وخبراء عسكريين من حزب الله. قيل إنهم غادروا العراق الأسبوع الماضي، بعد قصف الكيان الصهيوني للقنيطرة. هذا الخليط يقاتل تحت غطاء ضربات التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش».

هذا النسيج الغريب وغير المتجانس والمثير للاهتمام؛ أعطى غطاءً سياسياً وأخلاقياً لمليشيات طائفية، متهمة بارتكاب عمليات انتقامية من المدنيين في محافظة ديالى، تحت غطاء تحرير المنطقة من «داعش».

بداية القصة كانت بتصريح النائبة في البرلمان العراقي عن محافظة ديالى ناهدة الدايني، التي أكدت أن الميلشيات الطائفية، وبعد طردها «داعش» من المنطقة، جمعت بين 70 و 80 عراقياً عزَّل، بينهم نساء وأطفال، وأعدمتهم بدم بارد، إضافة إلى الاعتداء على مساجد ومنازل مواطنين.

جاء رد رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري بالدعوة إلى التحقيق في هذه الاتهامات، لكن كرة الثلج واصلت التدحرج، إذ ناشد نائب الرئيس العراقي أسامة النجيفي رئيس الوزراء حيدر العبادي بوقف انتهاكات الميلشيات الطائفية في ديالى. لاحقاً تحدث مسؤوليون عراقيون عدة عن الحادثة، في وقت الذي نفت فيه وزارة الداخلية حدوث أي انتهاكات بحق مدنيين، واعتبرت الإشاعات مجرد وسيلة؛ لتشويه انتصارات القوات العراقية والحشد الشعبي.

المفارقة الكبرى في هذه القصة أن من ينفي الاعتداءات على سكان محافظة ديالى، هي وزارة الداخلية العراقية. والتي يترأسها محمد الغبان، وهو من المنتمين إلى فيلق بدر، والذي ينتمي إليه هادي العامري، المتهم بهذه الانتهاكات.

ما يحدث في العراق هي رد فعل متوقع حدوثها في سياق نفي بشرية مجموعة من البشر في سياق محاربة الإرهاب. فوسائل الإعلام -وعلى مدى أعوام ممتدة- رسخت فكرة أن «داعش» برابرة من أجل إدانتهم. في حين أنه يمكن إدانتهم بالكامل والوقوف ضدهم ومحاربتهم وقتالهم، من دون نزع بشريتهم واعتبارهم وحوشاً وبرابرة. ذلك بسبب خطورة اعتبارهم برابرة على من يقاتلهم من جهة، وعلى طريقة قتالهم، وما يحدث تحت لافتة قتالهم، كما رأينا.

اعتبار «داعش» برابرة، جعل استخدام ميلشيات طائفية لقتالهم أمراً مبرراً، وهو ما برَّر انتهاكات هذه الميلشيات الطائفة أيضاً؛ في سبيل التخلص من هذا التنظيم. وهنا تعاد القصة ذاتها، إذ يتم التجاوز وارتكاب مجازر وانتهاكات مروعة في حق مدنيين تحت لافتة محاربة «برابرة» أو منظمة «إرهابية».

نشرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقارير عن جرائم اقترفتها ميلشيا عصائب أهل الحق في حق مدنيين في ما يعرف بحزام بغداد. وحدثت مجزرة أخرى في مسجد حمرين في محافظة ديالى، والذي ذهب ضحيتها العشرات، في آب (أغسطس) الماضي. كما وثق مقتل قرابة 255 سجيناً أعزلَ على يد ميلشيات موالية للحكومة في ما لا يقل عن خمس مجازر في نينوى وديالى والأنبار في حزيران (يونيو) الماضي، على يد الجهة ذاتها التي يصفق لها اليوم؛ لأنها تقاتل «البرابرة».

هذه التقارير التي تصدرها منظمات دولية حول جرائم الميلشيات الطائفية الموالية للحكومة العراقية غير ذات أهمية في نظر الكثيرين. ما دامت عملية تحرير العراق من «الظلاميين» مستمرة.

الميلشيات الطائفية قطعت الرؤوس ومثَّلت بالجثث مثل «داعش» تماماً، واعتدت على المساجد، وقتلت العزل، حتى إن المرجع الأعلى علي السيستاني شجب هذه السلوكيات على استحياء في إحدى بياناته الداعمة لقوات الحشد الشعبي. وتأتي أهمية حديث السيستاني عن الانتهاكات هنا أن فتواه بالجهاد بعد سيطرة «داعش» على الموصل كانت أساس تأسيس قوات «الحشد الشعبي». من الشخصيات العراقية الأخرى التي تحدثت عن تجاوزات لميلشيات مقتدى الصدر، زعيم ما يعرف بالتيار الصدري.

خطورة هذه الأجواء أن «داعش» كانت وليدته، فنشأته وجرائمه جاءت في سياق القتال الطائفي في العراق والتهجير وإعادة بناء الدولة وأجهزتها الأمنية، بل حتى مدنها على أسس طائفية. فمبرر «داعش» للوجود أنها تنتقم من سياسات الحكومة العراقية ونوري المالكي الذي همَّش السنة أعواماً. والحقيقة أن نوري المالكي جزء من المشكلة فقط، تلك التي خلقها احتلال العراق وتدميره، ثم بناء نظام سياسي على أسس محاصصة طائفية. في رواية «في انتظار البرابرة» لكوتزي، يُحشَد كل شيء لمواجهة البرابرة، هؤلاء الذين لا نفهمهم، ولا نريد أن نفهمهم. في الطريق إلى محاربة البرابرة، حدث ما هو أسوأ، أصبح كل شيء مبرراً في مواجهة البرابرة، حتى تحول محاربو البرابرة إلى «برابرة».

لذا يرى تزفيتان تدوروف أن البرابرة هم من يعتقدون بوجود البرابرة. ربما؛ لأن نزع بشرية مجموعة من البشر يجعل من الفاعل فاقداً لأي قيم أخلاقية في التعامل معهم؛ فيرتكب جرائم مروعة؛ لترسيخ ما يظنه فكرة سامية. الجرائم والاعتداءات التي ارتكبتها الميلشيات الطائفية مرت من دون أن تجد أي صدى في العراق أو خارجه؛ لأن هذه الجرائم تمَّت؛ لمواجهة «البرابرة». لننتهي إلى حقيقة واحدة مؤلمة: «داعش» تنظيم يقوده قتلة ومجرمون. يُقاتَلون اليوم على يد قتلة ومجرمين آخرين.

المصدر: الحياة
http://alhayat.com/Opinion/Badar-Al-Rashad/7244855/