الـ «آي باد» كتاباً مدرسيّاً في كندا

منوعات

في العام 2010، بشّرت شركة «آبل» بولادة جهاز تكنولوجي يقع في منزلة وسطى بين الكومبيوتر المحمول والهواتف الذكيّة. واشتهِر باسم «آي باد». وشاع استعماله بسبب تميّزه بتقنية اللمس وسهولة حمله وخفة وزنه، إضافة إلى كثرة ما يؤديه من عمليات كعرض الصور والأفلام وتصفح مواقع الانترنت وألعاب الفيديو وغيرها من الأشياء العملية والعلمية.

وبعد سنتين من انتاجه، أثارت «آبل» سؤالاً عن إمكان استثمار الـ»آي باد» في مجال التعليم. ولتعميم تلك الفكرة، عقدت «آبل» مجموعة من المؤتمرات التقنيّة عرضت فيها فكرة «الكتاب التفاعلي» Interactive Book وآليات البرمجة المتّصلة به، والتطبيقات التعليميّة التي من شأنها أن تتكفل بجعل الـ «آي باد» أداة طيّعة في أيدي الطلاب والمعلمين. وسرعان ما دخل الـ»آي باد» الحقل التعليمي عدد من نُظُم التربية في دول مختلفة.

الوجه الآخر

في هذا السياق، طرحت دراسات كنديّة أسئلة متنوّعة عن مغزى وجود الـ «آي باد» بين أيدي التلامذة، معتبرة أنه ربما يكون أداة للهو أو رافعة تقنيّة للتقدم والتعليم.

وهناك مثال عن تلك الدراسات يأتي من بحث أجراه فريق متخصّص قاده تيري كارسنتي، رئيس قسم «بحوث تكنولوجيا التعليم» في جامعة «مونتريال»، وشمل 30 مدرسة في مقاطعة «كيبك».

وأظهر البحث أن مزايا الـ «آي باد»، بل أنواع اللوح الإلكتروني عموماً، تفوق عيوبه. وفي المقابل، شدّد البحث على أن تلك الأدوات التقنيّة تمثّل «سيفاً ذو حدين، بل تحدٍياً كبيراً أيضاً».

وأكّد البحث أن إيجابيات الـ «آي باد» تضاعفت يوميّاً. إذ أصبح التلامذة أكثر نضجاً واعتماداً على أنفسهم، حتى بالمقارنة مع مدرّسيهم. كما أتاح اللوح الإلكتروني للتلامذة توسيع آفاقهم المعرفيّة، وأضفى متعة على المطالعة التي لم تعد تقتصر على الكُتب المدرسية.

ويرجع الفضل في ذلك إلى صنع تطبيقات رقميّة وتمارين مدرسيّة تفاعلية مخصّصة للكتاب الرقمي، تتشابه مع ألعاب الفيديو الممتعة.

ومن النتائج المدهشة التي «صعق» بها كارسنتي، أن الـ «آي باد» كان في حد ذاته، «مصدر تشويق واثارة للتلاميذ، بل أنه كان أكثر التصاقاً بهم من الكومبيوترالمحمول، كما كان أكثر استجابة لحاجاتهم الترفيهية والتعليمية»، وفق كلمات ذلك الاختصاصي.

وعلى رغم صورته الوردية، يبقى الـ «آي باد»، وفقاً لكارسنتي «تحدياً كبيراً في الصف. إذ كيف نمنع الطلاب من استشارة حسابهم على «فايسبوك»، أو تبادل الصور في ما بينهم، أثناء الحصة الدراسية»؟

ولفت كارسنتي أيضاً إلى أنّه «كلما منعنا شيئاً عن الطلاب أو سرنا خلافاً لإرادتهم، كلما حاولوا تجاوزه وأصروا على معرفته، على رغم أن المدارس لا تتوانى عن تحميلهم مسؤولية ذلك التجاوز»!

وخلص كارسنتي إلى رأي مفاده أن الـ «آي باد» ليس بعيداً من المحاذير، كما أنه ربما لا يكون الحل الأمثل للعملية التعليمية والتربوية.

ميزان التعليم

في العام المنصرم، نفّذت اللجنة المدرسية في «كيبك» مشروعاً عن استخدام الـ «آي باد» كتاباً مدرسيّاً في 6 مدارس إبتدائية ومتوسطة تضم 260 طالباً. وسار المشروع تحت إشراف 15 أستاذاً. ووُزّع 190 جهاز «آي باد» على تلك المدارس التي طلب منها أيضاً أن تتولى مسؤولية المضمون الذي تحمله اللوحات الإلكترونيّة.

وبقول آخر، وفق ما بيّن الاختصاصي في التعليم مارك آندريه كارون، لم يعط الطلبة إمكان إضافة تطبيقات غير تلك التي كانت مثبّتة سلفاً في الـ «آي باد». وأوضح أن الأجهزة كانت مصمّمة بطريقة تؤدي إلى محو فوري لكل التطبيقات التي تضاف إليها.

وأكّد كارون أن المشروع لاقى نجاحاً كبيراً في مقاطعة «كيبك»، بل انتشر في مدارس كثيرة لم تكن مُدرَجَة في تلك التجربة. وأشار كارون أيضاً إلى أنه «كلما استعملنا الـ «آي باد» في شكل صحيح، كلما أصبح قيمة مضافة إلى أصول التدريس والتربية والتعليم».

ولاحظ أن المعلمين طوّروا أساليبهم، كما بدا الطلاب أكثر انجذاباً للتعلّم وزادت معدّلات انتباههم للمدرّس، في سياق ذلك المشروع. وأوضح كارون أن اللوح الإلكتروني بدا كأنه يوقظ حسّهم ويثير حشريتهم، إضافة لكونه يستجب لكثير من حاجاتهم، خصوصاً أثناء تعلّم مواد اللغة والجغرافيا والتاريخ.

في سياق متّصل، أجرت وزارة التربية في مقاطعة «كيبك» أخيراً، اختبارات على استعمال اللوحات الإلكترونية في 15 مدرسة إبتدائية ومتوسطة، ركّزت على تعلّم مادتي اللغة والرياضيات.

وتمثّلت الغاية من الاختبارات، وفق الناطق بإسم الوزارة لويس شانتال، بـ «تقويم مدى استجابة الـ «آي باد» للحاجات التقنيّة في التعليم، تمهيداً لتعميمه على مستوى المدارس في مقاطعة «كيبك» جميعها».

في المقابل، أبدى الباحث كارسنتي تحفظه على تلك المبادرة. وشكّك في إمكان الوصول إلى استنتاجات مفيدة، بل اعتبرها مجرد «ضربة سيف قوية في الماء».

ووفق رأيه، يوقف الـ «آي باد» التعاون والعمل التفاعلي المشترك بين التلاميذ في البحوث والنشاطات الدراسيّة. كذلك رأى كارسنتي أن ذلك الجهاز يفرض برمجيات جاهزة على الطلاب، ويقدمها بطريقة واحدة، وتؤدي مهمة محددة. ومع الوقت، تصبح تلك التطبيقات مجرد روتين بلا ابداع، كذلك فإنها لا تأخذ في الحسبان تفاوت درجات الاستيعاب بين الطلاب، فضلاً عن تغييبها دور الأساتذة إلى حدّ كبير.

والأرجح أن يستمر النقاش عن استبدال الكتاب المدرسي بالـ «آي باد» طويلاً، قبل التوصّل إلى مخارج ملائمة.

المصدر: علي حويلي – الحياة