هالة القحطاني
هالة القحطاني
كاتبة سعودية

القرار الصعب.. والدماء البريئة!!

آراء

إذا كانت الضغوط المادية أجبرت والدة «لمى» على التنازل عن القصاص مقابل الديَّة فهذا في رأيي الشخصي لا يُعد تنازلاً طبيعياً، بل تحت ضغط وإكراه من الفقر والحاجة، والعجز عن إسكات جوع أبناء آخرين في المنزل الذي لا تستطيع سداد إيجاره، ولا أتخيل حجم التعاسة والظروف الصعبة التي أرغمت تلك الأم على تجاهل حاجتها النفسية والعاطفية لرؤية أهلها بعد حرمانها من رؤيتهم 11 سنة، ونعرف جيداً حجم المماطلة والتأجيل الذي تمر به أغلب قضايا النساء في محاكمنا الشرعية، بل نعلم أكثر مدى القصور والبيروقراطية الشديدة التي تعاني منها أغلب دوائرنا الحكومية، التي عادة تنفذ بنود قوانين صلبة بشكل آلي لا يحمل أي تقدير أو رفق بمشاعر المتضررين الذين يرجون حلاً لأزمة أو مخرج من مأزق حُوصروا به انتظارا للنطق بالحكم أو تنفيذه، فمثلاً لا يوجد بند مرن يتكفل بحاجة من هم في موقف والدة القتيلة «لمى» على الفور دون مماطلة، بل عليها أن تتكبد فوق أحزانها على تلك المراجعات ثمن المواصلات إلى أن يتم النطق بالحكم، ليعود المتضرر بخفي حنين يكرر محاولاته من جديد، و«لمى» قبل أن تكون ابنة لرجل تجرد من أبوته وإنسانيته ليرديها قتيلة من شدة الضرب، هي «مواطنة سعودية» صغيرة لم ولن تتجاوز الخامسة من العمر لأنها قتلت، ولن تدرك الصغيرة بأن الدولة والقطاعات الأمنية والقضائية تُدين لها بتوفير الحماية سواء كانت في عهدة أبويها أو حتى يتيمة في عُهدة الدار أو الشؤون الاجتماعية، بل إن قوانين المملكة دائما ما تؤكد في كل مناسبة بأنها لا تفرط في حق الصغير والضعيف قبل الكبير، لذا أصبح من الضروري على الجهات القضائية المختصة أن تأخذ بعين الاعتبار الأسباب التي (أجبرت) الأم على اتخاذ أصعب قرار يمكن أن تتخذه أي أم ضد قاتل ابنتها بتلك الطريقة البشعة، حيث وضحت أنها لا يمكنها مواصلة المحاكمة المتباعدة في جلساتها فبعد أن أجرت اتصالاً مع المحقق في هيئة الادعاء والتحقيق العام للوصول إلى قاضي المحكمة، أخبرها بدوره بأن القاضي يقضي «إجازته السنوية» وهذا شيء غير جديد وغير منصف أن تتوقف الحياة في المحاكم لأن القضاة في إجازة، ونرجو أن يتخذ وزير العدل إجراء يلزم القضاة بإنهاء قضايا ومصالح الناس المصيرية قبل أن يباشر الفرد منهم إجازته أو تحول إلى قاضٍ آخر، بدلاً من أن نسجل إضافة متضررة أخرى مثل والدة (لمى) إلى عشرات المتضررين من مشكلة طول مدة المحاكمات، غابت الرحمة عن تلك الأم المكلومة التي تقع على عاتقها مسؤولية إعالة ورعاية أبناء آخرين، فبعد أن كبلتها الديون وإيجار المنزل وذلتها حاجتها لإطعام أبنائها بالتأكيد لن تجد أمامها سوى تجاهل الألم والحزن لترغم نفسها على اتخاذ أصعب قرار بالتنازل مقابل الدية!

وبناء على آخر المعلومات لمن لا يعرف مستجدات هذه القضية كان من المقرر أن تشهد الجلسة الأخيرة النطق بالحكم ولكنها رُفعت إلى الاستئناف بطلب من المحامي ممثلاً والدة لمى في الحق الخاص حيث تنص المادة 129 من نظام الإجراءات الجزائية على أن جرائم القتل والقطع والرجم لابد أن تقوم بنظرها لجنة من ثلاثة قضاة، لذلك قرر رئيس المحكمة رفع القضية للنظر المشترك، ولكن مع الأسف تأجلت الجلسة مرة أخرى ولم يتم تحديد وقت للجلسة المقبلة.

وفي قضية مشابهة قتل أب بالتبني، (اليتيم فيصل) بذريعة (التربية)، نفس الذريعة التي برر بها والد لمى جريمته، وكانت مُبرر الآباء القتلة في عديد من الجرائم السابقة، ليكشف لنا هذا الأمر مدى وحشية وعنف مفهوم التربية لدى فئة من الأسر ليست بالقليلة داخل مجتمعنا، ربما لا يصل بعضها لحد القتل ولكن هذا السلوك التربوي العنيف كافٍ لتدمير وتشويه الحس الإنساني داخل نفوس عديد من الأبرياء الصغار، وإذا حالفهم الحظ وعاشوا سيكبرون ليترجموا ردة فعل وحشية وعذاب الطفولة، بطرق متعددة وأكثر عنفاً داخل نفس المجتمع الذي تربوا فيه!!

لذا نطالب القضاء ومجلس الوزراء ومجلس الشورى بتعجيل إطلاق قانون (حماية الطفل) الذي انتظرناه طويلاً، ببنود وقوانين مُفصلة تشرح كل جريمة أو إساءة بحق الطفل وما يقابلها من العقاب ومضاعفاته حال تكرارها، بداية من جريمة إهمال الطفل في الملبس والمأكل والتعليم إلى أصناف العنف التي تبدأ بالضرب والتشويه وتنتهي بالقتل، الأطفال زينة الحياة الدنيا وإحدى أغلى النعم التي وهبها الله لنا، فإذا لم يحافظ الإنسان على نعمة وأمانة الخالق، عليه أن يتعلم ذلك بالسجن والقصاص، ومن يتنازل عن حقه الخاص في مثل تلك القضايا لظرف معين، لا يعني أن يتبع ذلك بتنازل عن الحق العام ليُطلق سراح القتلة بسهولة ويعيشوا بيننا وأيديهم مازالت تفوح منها رائحة الدماء البريئة!

المصدر: صحيفة الشرق