د. محمد العسومي
د. محمد العسومي
كاتب إماراتي

النفط وأوضاع العراق

آراء

منذ قيامها في بداية الستينيات من القرن الماضي، ومنظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» تتعرض لتقييمات متعارضة، تارة من البلدان المستهلكة، التي حملتها مسؤولية تضاعف الأسعار في منتصف السبعينيات وتارة من المنظمات المتطرفة، التي هاجمت الاجتماع الوزاري في الفترة نفسها واحتجزت بعض الوزراء بقيادة «كارلوس».

كل ذلك يعني الأهمية الكبيرة التي تحتلها «أوبك» في صناعة الطاقة العالمية، وذلك على الرغم من المحاولات الرامية إلى التقليل من دورها، إذ لا يمكن ضمان استقرار إمدادات وأسعار النفط بدونها، فهي وحدها القادرة على الحفاظ على توازن الأسواق. انطلاقاً من هذه الحقيقة، طلبت نهاية الأسبوع الماضي وكالة الطاقة الدولية – وهي الذراع القوية للبلدان الصناعية المستهلكة – من منظمة أوبك زيادة الإنتاج بمقدار مليون برميل يومياً خلال النصف الثاني من العام الحالي لإحداث التوازن بالسوق العالمية، التي تشهد ارتفاعاً موسمياً كبيراً في الطلب على النفط.

تزامنت دعوة الوكالة مع تدني إنتاج النفط الليبي إلى أدنى مستوى وتدهور الأوضاع الأمنية في العراق، التي اقتربت من حقول ومصافي النفط، وتهدد بتوقف تصدير 2٫6 مليون برميل يومياً، مما يعني أن وكالة الطاقة الدولية تحاول استباق الأحداث لحث بقية الأعضاء في «أوبك» على الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، علماً بأن فائض الإنتاج يتمركز في السعودية التي أعلنت أنها ستتعاون لكبح جماح الأسعار في حالة ارتفاعها من خلال ضخ المزيد من النفط لتعويض الإنتاج العراقي إذا تدهورت الأوضاع هناك، مما يعني أن الأمر لا يرتبط بزيادة الطلب فحسب، كما جاء في طلب الوكالة.
المعروف أن «أوبك» أبقت في اجتماعها الدوري الأخير في فيينا على سقف الإنتاج المقدر بـ 30 مليون برميل يومياً حتى اجتماعها القادم في شهر نوفمبر 2014، إلا أن التطورات المتلاحقة والسريعة في بعض البلدان الرئيسية المصدرة للنفط، وبالأخص العراق ستؤدي إلى تغيير العديد من القرارات الخاصة بالإمدادات لمنع حدوث نقص أو قفزة غير متوقعة في الأسعار يمكن أن تضر بالنمو العالمي المتأرجح.

تحدث هذه التطورات الأمنية في ظل أوضاع اقتصادية عالمية هشة تعتمد كثيراً على ضمان إمدادات الطاقة بأسعار مناسبة للخروج مما تبقى من تداعيات الأزمة المالية، حيث برزت بعض بوادر التعافي في العديد من البلدان، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان بدليل ارتفاع الطلب العالمي على النفط، إذ يتوقع أن يرتفع الطلب من 91 مليون برميل يومياً في الربع الأول من العام إلى 94 مليون برميل يومياً في الربع الأخير، وهي زيادة كبيرة نسبياً تبلغ 3٫3% تشير بوضوح إلى التعافي الاقتصادي العالمي المتوقع أن تزداد وتيرته في الأشهر القادمة.

وبالعودة إلى «أوبك»، فإنه رغم تعاونها المستمر مع المنظمات الدولية، بما فيها غريمها الأساسي وكالة الطاقة، فإنه عادة ما توجه ساهم النقد إليها، باعتبارها المسبب الرئيسي للأزمات، في الوقت الذي لا يمكن فيه تصور استقرار أسواق الطاقة في العالم من دون «أوبك»، التي قدم أعضاؤها تضحيات على مدى سنوات طويلة، سواء بضخ كميات من النفط تفوق احتياجاتهم التنموية لإيجاد التوازن المطلوب ين العرض والطلب أو من خلال العمل على وقف تصاعد الأسعار في فترات الأزمات، كما يحدث حالياً بسبب أوضاع العراق.

لذلك، فإن على البلدان المستهلكة وممثلها وكالة الطاقة الدولية أن تغير من نظرتها السلبية لـ«أوبك» وألا تُلقي عليها باللوم بصورة دائمة لمجرد أنها تعتبر اللاعب الأساسي في سوق النفط، بل عليها أن تمد جسور التعاون، التي عادة ما يتجاوب معها أعضاء المنظمة، وبالأخص دول مجلس التعاون الخليجي بصورة إيجابية ومرنة.

مثل هذا التوجه من قبل الوكالة الدولية وأجهزتها الإعلامية جدير بدعم الاستقرار وضمان الإمدادات في أسواق النفط وتعزيز الثقة بين المنتجين والمستهلكين، وبالأخص في فترات الأزمات السياسية، بما فيها الأزمة الحالية والناجمة عن الحرب الأهلية العراقية.

المصدر: الاتحاد