«بوكو حرام».. إرهاب وإجرام

آراء

مناطق ودول إفريقيا التي يتواجد فيها المسلمون بكثافة مرت بها موجة المد الديني التي ظهرت في غيرها من مناطق ودول العالم الإسلامي الأخرى منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، ولكن تلك الموجة لم تأخذ طابعاً عنيفاً مرتبطاً بحركات الإرهاب والتطرف العابر للحدود، وبقيت كصحوات جماعية محلية في كل دولة من الدول الإفريقية، وإن اتخذ البعض منها لنفسه طابعاً متشدداً في مواجهة فئات المجتمع المحلي الأخرى، كما حدث في نيجيريا بالتحديد. لكن ضمن محتوى جماعية الأصوات الدينية المحلية الإفريقية فجرت الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأميركية في 11 سبتمبر 2001، وعمليات الغزو اللاحقة لكل من أفغانستان والعراق غضباً ونقاشاً داخلياً في كل دولة إفريقية يقطنها المسلمون يخص علاقة الإسلام بالسياسة في العالم الحديث. وتمخض عن تلك النقاشات أن تطور الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك وأخطر بظهور جماعات وتنظيمات تنتهج العنف والتطرف والإرهاب لتحقيق أهداف قادتها، مع غموض شديد في تلك الغايات والأهداف.

في نيجيريا بالتحديد برزت إلى السطح حركة كانت مغمورة قبل أن تقوم بتنفيذ عمليات إرهابية واختطاف الفتيات من مدارسهن والمعروفة باسم «بوكو حرام» (أي تحريم تعليم الفتيات على الطريقة الغربية). هذه الحركة قامت بشن أول هجماتها المباشرة على هدف عالمي في أغسطس 2011 عن طريق قصف مقر الأمم المتحدة الرئيسي في العاصمة النيجيرية «أبوجا». وأعقب ذلك عدد من الهجمات على أهداف حكومية نيجيرية وكنائس عبر الأجزاء الشمالية من نيجيريا مثيرة غضباً حكومياً عارماً وسعياً للانتقام منها للأخذ بالثأر، مما تسبب في وفيات كثيرة بين المدنيين ودمار شديد في الممتلكات. والواقع أنه يوجد العديد من الأسئلة المحيرة حول «بوكو حرام» في نيجيريا وفي الثقافة السياسية النيجيرية الميالة إلى نظرية المؤامرة ضمن السياسات النيجيرية، وحول الإشاعات التي تنتعش حول أصول الحركة وأهدافها وارتباطاتها، وهي أسئلة لا توجد لدى النيجيريين إجابات مقنعة حولها.

وبالإضافة إلى ذلك توجد أسئلة حول حجم الحركة ذاتها من حيث عدد أفرادها وأسلحتها والجهات التي تمولها، وتقارير سرية تشير إلى أن العديد من الأفعال التي يتم القيام بها تحت اسمها هي في الواقع أعمال إجرامية يمارسها مجرمون عاديون وليس حركيين سياسيين أصحاب فكر وأهداف محددة تطال إصلاح الحال في وطنهم. وفي هذا السياق تبدو الارتباطات الممكنة لـ«بوكو حرام» بتنظيمات أخرى عابرة للحدود بما في ذلك تنظيم «القاعدة» الأم أو «القاعدة في بلاد المغرب العربي» أو «داعش» بعيدة جداً عن أن تكون واضحة أو حتى ممكنة ويتم النقاش الساخن حولها في نيجيريا بشكل واسع ومستمر. إن الاتهامات المتضادة بين الأطراف السياسية النيجيرية المتنافسة تشير بأصابع الاتهام في العديد من الحالات إلى كل من الحكومة النيجيرية والمعارضين السياسيين لها بأنهم مؤيدون وداعمون لـ«بوكو حرام» من أجل تحقيق أهدافهم السياسية الخاصة والضيقة خاصة عندما تمت عملية اختطاف الفتيات من مدارسهن والتهديد ببيعهن في سوق النخاسة.

وإذا ما دققنا في الحوارات المتبادلة في هذه المرحلة تبدو «بوكو حرام» بأنها بنيت على ردود الأفعال التي طرأت على عملية تحديث تطبيق الشريعة في البلاد، ولكي تتغذى على محتوى اجتماعي-اقتصادي صعب جداً في قُطر ذي تاريخ طويل من الحركات الدينية المتطرفة على مستوى الداخل. لقد ركزت «بوكو حرام» هجماتها أول الأمر على أهداف حكومية، فجاءت ردة الفعل من قبلها بشكل سيئ، الأمر الذي أجج وغذى وزاد من تطرف الحركة. ورغم أنه من المرجح أن تقوم ببناء روابط مع منظمات إرهابية عابرة للحدود، إلا أن تأثيرها إلى الآن يبقى محدوداً على جيران نيجيريا. إن هذه الجماعة تبدو بوضوح وهي متجذرة في المحتوى النيجيري الخاص، ممثلة تجلياً جديداً للوجه العنيف للسياسات الدينية المتأصلة في التاريخ النيجيري.

المصدر: الاتحاد
http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=82596