د. علي الطراح
د. علي الطراح
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة متشجن الأميركية في عام 1984 . عمل مستشاراً ورئيساً للمكتب الثقافي لسفارة دولة الكويت في واشنطن 1989-1992 ومستشاراً إعلامياً ورئيس للمكتب الإعلامي في سفارة دولة الكويت في واشنطن 1992 - 1995 . عميد كلية العلوم الاجتماعية، وأستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت .

تحدي الإرهاب… مقاربة ثقافية

آراء

كنا نتناقش مع أحد المسؤولين بوزارة الخارجية الكويتية بحضور السيدة أرينا بوكوفا مديرة منظمة اليونسكو حول دور المنظمة في الأزمة السورية، وكان الحديث يتركز حول ضياع كبير يواجه اللاجئين السوريين، وأن قضيتهم تكبر ككرة الثلج وتتدحرج وقد تنتقل إلى أماكن مختلفة في العالم. فهم يعيشون الحرمان في كل لحظة، ويعيشون لحظات اضطراب كبيرة خصوصاً إذا ما عرفنا أن الإنسان في مثل هذه الظروف يفقد معنى الحياة، ولا تعود تشكل بالنسبة له أي معنى، ومن ثم فإن بعض هؤلاء قد يتحولون إلى قنابل موقوتة ربما تنفجر في أية لحظة. كما أنهم قد يشكلون الوقود للمنظمات الإرهابية سواء أكانت «داعش» أو غيرها، ومن ثم فإن ما يحدث يمسّ العالم بأكمله. وكنت أقول لبوكوفا مديرة اليونسكو إننا نتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المنظمة لكونها هي المعنية ببناء العقول وقيم السلام العالمي إلا أنها لم تخرج إلى السطح في هذه المرحلة الحرجة.

ويستمر النقاش حول العبث الكبير الذي تمثله المنظمات الإرهابية في سوريا وكيف تمكنت من بناء قوتها واستطاعت أن تعيد بناء مخزونها من التطرف والعنف. وهي أسئلة محيرة وعلينا التفكير في أساليب مختلفة لفهم خلفياتها، فالمواجهة مع أمثال هؤلاء لن تحلها المدافع بقدر ما يحلها فهم طبيعة الخلل الذي أصاب بعض العقول. وهؤلاء يعيشون ما نسميه بالاغتراب، ولا تعني الحياة بالنسبة لهم أي شيء، فالتهميش وعدم الإحساس بالوجود يصاحبانهم في كل لحظات حياتهم. والحال أن لدينا أزمة فهم ثقافي علينا مواجهتها، فالغرب لا يفهم لماذا هؤلاء يبحثون عن الموت ويسعون إليه بينما الإنسان في الثقافة الغربية محب للحياة ويخاف الموت، فالبعد الثقافي لا يجد مكانه في مواجهتنا للإرهاب الذي ينتشر بين بعض الشباب. والبعض كان يعتقد أن الإرهاب يعيش ضمن حدود مجتمعات إسلامية، ولكن كل المؤشرات تؤكد أن بعض الشباب المتطرف تربى أيضاً في الغرب وعاش ثقافته وتعلم في مدارسه من بعض الجاليات المسلمة ولم يندمج في الثقافة الغربية، وهؤلاء يعيشون لحظات اضطراب وصراع للهوية، مما قد ينتج عنه تحول نحو تبني العنف كوسيلة للتعبير عن الغضب العارم في النفس. واليوم بعض من يحارب في سوريا مع المنظمات الإرهابية ليس فقط من أصول عربية، فهنالك آلاف الشباب الغربي المسلم من الجيل الثاني من المهاجرين الذين ينضمون إلى هذه المنظمات ويقاتلون لأجل التطرف الذي تمكن من عقولهم. والغرب كان يعتقد مع نهاية بن لادن أن حكاية «القاعدة» ستنتهي، وإذا بنا اليوم نواجه قواعد وليس «قاعدة» واحدة! كما كنا نعتقد أن الظاهرة لم تعد محصورة بـ«قاعدة» بن لادن بقدر ما حدث ترويج للسلوك العنيف الباحث عما يعتقده مخطئاً أنه «الاستشهاد» والذهاب إلى الحياة الأخرى. إذن لدينا إشكالية ثقافية علينا مواجهتها والتعامل معها بعقلانية. ودائرة العنف تتسع بين الشباب، وعلينا البحث في أسباب تبني الفكر المدمر أو ما يعرف بالرغبة في الخلاص من الحياة الدنيا، فهؤلاء خضعوا لعمليات متقدمة من غسل الدماغ وتمت إعادة صياغة عقولهم بطريقة منظمة، واستخدمت أدوات تقنية في مجال علم النفس، بمعنى أن هناك متخصصين يقومون بتدريب هؤلاء الشباب والزج بهم في أتون المعارك.

والحكايات كثيرة في فنون الموت وكلها يتم حقنها في العقل القاصر وبفعل التدريب المتقن يتحول هؤلاء الشباب إلى مقاتلين يبحثون عن الموت، ومن ثم فإن على المجتمع الدولي إعادة تقييمه للتعامل مع العنف المتنامي، والعمل على إعادة بناء العقول، وإلا فإن المشكلة ستتسع والغرب لن ينجو من توسع دائرة العنف.

المصدر: الاتحاد