إياد أبو شقرا
إياد أبو شقرا
صحافي لبناني مقيم في لندن. حائز إجازة في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت وماجستير من معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن.

صدقت يا آرنولد توينبي

آراء

عرف اللبنانيون منذ القدم بحب المغامرة وركوب الأمواج ورمي أنفسهم في ديار الاغتراب البعيدة، بحثا عن النجاح.

معظم المغتربين اللبنانيين الأوائل كانوا يجهلون الجغرافيا والتاريخ.. وكذلك اللغات الأجنبية، ومع ذلك ما وقف الجهل يوما حائلا دون إدراكهم غاياتهم، إلا أن جهلهم في الجغرافيا والتاريخ هذه الأيام يرتّب عليهم تبعات خطيرة، ويضعهم مع بلدهم على فوهة بركان.

خلال الأسبوع الماضي، أقدمت مجموعة مسلحة مجهولة – معلومة على خطف قبطان طائرة مدنية تركي ومعاونه، بعدما اعترض أفراد المجموعة السيارة التي كانت تقل الطيار ومعاونه على مقربة من مطار بيروت الدولي. بالمناسبة، يحمل المطار اسم رفيق الحريري، لكنه يقبع على تخوم الضاحية الجنوبية التي تضم مربع حزب الله الأمني في العاصمة اللبنانية. وكان الخلاف على موضوع «أمن المطار» ومحيطه يومذاك قد فجّر أحداث 2008 المسلحة، التي أكدت انتقال حزب الله من مقاومة إسرائيل.. إلى قوة احتلال مسلحة للبنان تمارس حماية السلاح بالسلاح.

وبعد إنجاز عملية الخطف على الطريق المؤدي إلى المطار، أعلنت الحاجة حياة عوالي، التي توصف بالناطقة باسم أهالي المخطوفين اللبنانيين في أعزاز (شمال سوريا)، أن «أي مواطن تركي في الضاحية الجنوبية، وفي مدينة بيروت، هو هدف لأهالي المخطوفين، وذلك ردا على فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وذلك ليكون كل شيء واضحا وصحيحا». وتابعت: «… كل مواطن تركي في لبنان يتحمّل مسؤوليته فرع المعلومات».

وهنا، أيضا، لا بد من الإشارة إلى أن إعلان الحاجة حياة الحرب على تركيا شمل إدانة لقوى الأمن الداخلي، الجهاز الأمني الوحيد (ربما) الذي ما زال، حتى اللحظة، يؤدي مهامه بحد أدنى من الحرية، في ظل هيمنة حزب الله على الدولة.

وفي شمال شرقي لبنان، خلال ساعات معدودات من عملية الخطف، أطلق كمين مسلح قرب بلدة اللبوة الشيعية، النار على موكب يقلّ علي الحجيري رئيس بلدية بلدة عرسال السنّية المجاورة والوفد المرافق، في أعقاب إكماله مهمة تهدئة الأجواء بعد تبادل مخطوفين من أبناء المنطقة. وقتل في الكمين مرافق رئيس البلدية، بينما أصيب الأخير مع آخرين ممن كانوا في الوفد بجروح.

فيما يخص الكمين، يبدو الأمر شبه طبيعي في منطقة عشائرية يستخدمها حزب الله ممرا لمقاتليه المتجهين إلى سوريا، ويستقبل فيها أهالي عرسال المتعاطفين مع الثورة السورية اللاجئين والمصابين السوريين. وهو يبدو شبه طبيعي أيضا، إذا ما تذكّرنا أن لا وجود فعليا لسيادة الدولة في لبنان كله، فما بالك في هذه المنطقة التي تعد من أهم معاقل حزب الله، وأقدم حواضنه الذهبية والبشرية. غير أن الغريب حقا أن رامز أمهز رئيس بلدية اللبوة، عقد مؤتمرا صحافيا بعد الكمين، نقلته أجهزة الإعلام، على غرار تصريح الحاجة حياة، حمّل فيه المسؤولية للحجيري (!) – أي للضحية في هذه الحالة – بحجة أنه «لا يتحرك في المنطقة إلا في مواكب مسلحة تستفزّ المواطنين» (!).

ملحوظة عابرة هنا: عرسال بلدة مُحاصَرة عسكريا وطائفيا، ومُستهدَفة أمنيا من البر والجو من قوات النظام السوري.. ولا تقع في سويسرا.

ثم إن حمل السلاح عند عشائر منطقة البقاع الشمالي، حيث تقع اللبوة وعرسال وقرى قضائي بعلبك والهرمل، مسألة طبيعية جدا.

المشكلة الحقيقية أن إعلان الحاجة حياة «الحرب» على تركيا – الدولة التي يسكنها 80 مليون إنسان، والتي كانت حتى 1918 تحكم لبنان وسوريا وما جاورهما – ثم المؤتمر الصحافي للسيد أمهز، يعبّران حقا عن واقع فظيع في الذهنية التي تتحكّم بلبنان، الذي كان في يوم من الأيام غير بعيد نافذة تنوير وانفتاح وتفاعل وتعايش، ليس بين مكوناته الاجتماعية فحسب، بل على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وما بعدها.. إلى العالم كله.

أنا من الجيل الذي يتذكّر أيام كان أعظم لاعبي كرة المضرب في العالم، من أمثال رود ليفر وروي إيمرسون وجون نيوكمب، يشاركون سنويا في بطولة برمانا المفتوحة، وكانت مسابقة ملكة جمال أوروبا تنظم أمام أضواء الإعلام العالمي في «كازينو لبنان». كذلك أعرف أن الجامعة التي تخرج فيها أكبر عدد من المندوبين لمؤتمر سان فرانسيسكو، الذي أسّست فيه منظمة الأمم المتحدة خلال أبريل (نيسان) عام 1946، كانت الجامعة الأميركية في بيروت.

هكذا كان لبنان الذي ما زلت أتذكره، وكنت أعرفه.. أما اليوم، فنحن بصدد بلد آخر مختلف تماما.

نحن الآن أمام «حالة» من انهيار الوعي وانعدام المنطق تدفع اللبنانيين لأن يكونوا وقودا رخيصا لحروب أكبر منهم ومن بلدهم. وتحوّل البلد، الذي ما كان ليقوم لولا التوافق الوطني، وما كان ليصمد لولا النجاح الاقتصادي الاستثنائي الذي وفّره له العلم والتسامح مع الآخرين والتوافق مع العالم، إلى «صندوق بريد» توجه منه الرسائل المفخخة يسرة ويمنة.

المسؤولية، بطبيعة الحال، ليست مسؤولية مواطنين عاديين يستمتعون بمناخات خلقتها لهم «غطرسة القوة»، بل أولئك القادة الذين يغرّرون بهم، ويورطونهم في مشاريع إقليمية قد تجرهم قبل غيرهم إلى الهاوية.

إن المنطقة كلها أمام تحديات عصيبة تهدد بإعادة رسم خرائطها بالكامل. والإخفاقات التي نراها من حولنا تؤسس حقا لـ«دول فاشلة» تجري المساومات الكبرى على ركامها. وهنا تحضرني نظرية المؤرخ السياسي الشهير آرنولد توينبي حول تاريخ الحضارات، الذي يقوم (حسب رأيه) على «شرعة التحدي ورد الفعل»، وكيف أن الحضارات تقوم نتاجا لجملة من التحديات الصعبة، تحفِّز أقليات خلاقة لاستنباط الحلول وإعادة توجيه المجتمعات. وبالتالي، فإن نجاح حضارة في مواجهة التحدي يتيح لها الازدهار والنمو، لكن تلك الحضارة تهتز وتضعف عندما تنعدم عند قادتها القدرة الخلاقة، ثم تنهار وتضمحل عندما تسقط ضحية للعصبية القومية (أو العنصرية) والنزعات العسكرية وطغيان أقلية متسلطة.

لبنان، ومعه بعض كيانات ما بعد «سايكس – بيكو»، تجاوز مرحلة انعدام القدرة الخلاقة عند قادته.. وها هو يدفع مع جيرانه فاتورة العصبية القومية – بشقها الشوفيني العنصري – و«العسكريتاريا» وطغيان الأقلية المتسلطة.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط