قاسم سليماني.. هل تسمعني؟

آراء

إن المتتبع للشأن الإيراني يدرك مدى ما تشكله أحداث العدوان الإسرائيلي على غزة من أهمية كبيرة لدى متخذ القرار في إيران؛ فبالإضافة إلى الجانب الإنساني والديني الذي يجري على ألسنة المسؤولين الإيرانيين وتغص به وسائل الإعلام الإيرانية، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يأتي هذا العدوان بعيدا عن جوانبه الاستراتيجية التي تمس المصلحة الإيرانية في المنطقة. فالمعتدي الغاشم، ونقصد هنا إسرائيل، لطالما ظل وقودا لآيديولوجيا النظام الإيراني الحالي، في تهييج العواطف الدينية. وفي المقابل تأتي حماس ومن ورائها «الجهاد الإسلامي» بوصفها عاملا مساعدا في مواجهة إسرائيل وتوسيع نطاق المحيط الأمني الإيراني.

ولما كان لهذا الأمر جوانبه الاستراتيجية فقد تصدى له عدد من أرفع المسؤولين في النظام الإيراني، لا سيما المرشد علي خامنئي. غير أن ما يعطي لهذه الحالة بُعدا يؤكد الأهمية الاستراتيجية لاستمرار المقاومة من المنظور الإيراني، هو انفراد قائد فيلق القدس اللواء سليماني، الذي تندر تصريحاته، برسالة موجهة للمقاومة في غزة.

يبدأ سليماني رسالته بالآية القرآنية «ألا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» صدق الله العظيم. وبالتالي فالآية تؤكد ضرورة القتال وتحديدا اليهود، وهو ما جعل سليماني يذكر هذه الآية دون غيرها.

يؤكد سليماني أن الشعب الفلسطيني في غزة لا يُلقن العدو وحده درسا، بل ومن ورائه المتآمرين معه من بعيد أو قريب. فما يحدث في غزة من منظور قائد فيلق القدس مؤامرة تواطأ فيها العديد من الجهات التي لا تقتصر على إسرائيل والشيطان الأكبر (أميركا)، بل هناك دول أخرى، ولا شك أن بعض الدول العربية منها.

يتوجه بعدها سليماني إلى قادة المقاومة الذين وصفهم بالقادة الذين لا يقبلون المساومة على الحقوق، ولا يتراجعون أمام ضغوط التسليم ومؤامرات الاستسلام. ويخص بالذكر هنا الزعماء السياسيين لحماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة عموما. وتأتي عبارة «المساومة على الحقوق» في حد ذاتها ليزايد عليها من يريد وينظر لها كل بمنظور مصلحته. فوقف نزيف الدماء وتجنب سقوط المزيد من الضحايا لا يعني بأي حال من الأحوال المساومة على الحقوق.

يعود من جديد سليماني ليبدي مرارته على ما أطلق عليه المشاهد الموجعة التي تدمي القلوب وتحرق الصدور، والتي وَلّدَت غضبا سيؤدي كما جاء في رسالة سليماني إلى أن «نَصُبَّ جامه (الغضب) على رأس الصهاينة المجرمين»، وهو ما تجلى بوضوح من خلال الموقف الإيراني خلال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة.

تبدأ بعدها لعنات سليماني تتوالى بدءا بالكيان الصهيوني، مرورا بكل من يدافع عنه لا سيما رأس الظلم العالمي «أميركا»، وانتهاء بكل من أغلق طرق الإمداد، ومن يرى حزن الفلسطينيين ويسمح بقتل شعبهم المظلوم بصمته الجبان. والحقيقة أن مسؤولي النظام الإيراني استبسلوا كثيرا في عدم الصمت، فغصت بهم وسائل الإعلام الإيرانية والتحركات الدبلوماسية لتثبت للعالم أن النظام الإيراني لم تحل عليه لعنات سليماني.

يؤكد سليماني أنهم على العهد باقون ولن يبدلوا تبديلا، فكما «كنا ولا نزال نقوم بواجبنا الديني في دعم المقاومة، فإننا نؤكد أننا مستمرون بإصرار في نصرة المقاومة حتى تبيت الأرض والهواء والبحر جهنم للصهاينة، وليعلم القتلة والمرتزقة أننا لن نتوارى للحظة عن الدفاع عن المقاومة ودعمها ودعم الشعب الفلسطيني». ويعود السبب في هذا الأمر كما يرى سليماني إلى «أننا عشاق الشهادة، وأن الشهادة على خط فلسطين هي أمنية يتوق إليها كل مسلم شريف». وقد ثبت هذا الأمر مرات عدة؛ ففي كل مرة يباشر الكيان الصهيوني اعتداءه على فلسطين نرى أفواجا من الحرس الثوري تتجه نحو غزة طلبا للشهادة.

إن نزع سلاح المقاومة من منظور سليماني هو هرطقة ووهم لن يتحقق وأحلام يقظة لن تمر.

يختم سليماني رسالته بتوجيه وصية لإخوته المسلمين بتصويب البندقية والدم والكرامة دفاعا عن الإنسانية والإسلام الذي تختصره فلسطين.

وها نحن معشر المسلمين ننتظر أم القرى وقائدة العالم الإسلامي (إيران كما يراها النظام الإيراني) لتكون المثال الذي يُحتذى في مواجهة الكيان الصهيوني. ولكن ما الذي يجري؟ متطوعون وأفراد من الحرس الثوري في سوريا.. النظام الإيراني يستنفر قواه في العراق. الحرس الثوري في العراق لحماية المدن الشيعية وفتوى السيستاني تشعل قلب النظام الإيراني. التاريخ يعود إلى الوراء. ما الذي يجري؟ إنه العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008، مكاتب التطوع في إيران للجهاد في غزة تمتلئ بالمتطوعين.. هل من فتوى تدعمهم؟ المرشد يصدر قرارا بمنع توجه هؤلاء للقتال في غزة!!

أليست فلسطين التي ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي؟ ألا تنطبق على هذا المحتل الآية القرآنية التي بدأ بها سليماني؟ أين أنت يا من تعشق الشهادة على خط فلسطين والشهادة في مسار القدس؟

قاسم سليماني.. هل تسمعني؟

المصدر: الشرق الأوسط
http://aawsat.com/home/article/151901