كوربين يشرب من كأس تهاونه في حملة «البريكست»

أخبار

ظن زعيم حزب «العمال» البريطاني جيرمي كوربين أن خسارة غريمه ديفيد كاميرون زعيم حزب «المحافظين» لاستفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي سيقصر أمامه الطريق لهزيمة غرمائه اليمينيين في أول انتخابات قادمة، وأن «الخروج» الذي والاه سراً، سيجعله حراً من أغلال الاتحاد الأوروبي وقوانينه، ليقوم بإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل حقبة «مارغريت تاتشر»، أيام كانت البلد بقبضة المؤسسات العامة والنقابات، كما ظل يتهمه كثير من قادة حزبه بأنه لم يبذل المجهود الكافي لترويج وتوعية الناخبين بضرورة البقاء في إطار الاتحاد الأوروبي، وبعد إعلان النتيجة الصادمة مضى كوربين إلى منزله من دون أن تبدو عليه علامات الحزن للخسارة.

لكن أولى الضربات جاءته من وزير الخارجية في حكومة الظل (المعارضة) هيلاري بين، الذي دعا كوربين علانية إلى الاستقالة. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية «إنه رجل طيب ودمث لكنه ليس قائداً»، ليقوم كوربين بالاتصال به ويبلغه أنه أقاله من منصبه، ولم يكن يدري أنه نزع الغطاء عن قنينة الرافضين لقيادته من المشرعين وأعضاء البرلمان عن حزب العمال، الذين رأوا أن سياساته اليسارية وأسلوبه البعيد عن حشد الدعم يعني أن الحزب مقبل على هزيمة كارثية في الانتخابات التالية المقررة عام 2020. كما اتهموه كذلك بأنه لم يبذل جهدا كافيا في حملته لدعم التصويت على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، وفشله في استمالة الناخبين العماليين التقليديين، الذين كانوا أكثر استجابة للموقف المناهض للاتحاد الأوروبي الذي مثله حزب «الاستقلال» البريطاني.

كانت البداية بقيام عدد من أعضاء حكومة الظل بسحب تأييدهم لكوربين يوم الأحد الماضي، مثل وزيرة الصحة هايدي ألكسندر، ووزيرة المالية سيما مالهوترا، ووزيرة الشباب غلوريا دي بييرو، ووزيرة المواصلات ليليان غرينوود، إضافة إلى وزراء التعليم والبيئة والشؤون الإسكتلندية، ثم تبعهم وزير سياسات العدل في حكومة الظل العمالية شارل فلكونر، ليصبح تاسع وزير يغادر هذه الحكومة الموازية التي تراقب الحكومة المنتخبة.

وكنتيجة للاستقالات ستقدم النائبة عن حزب العمال مرغريت هوج مذكرة مع آن كوفي للتصويت على حجب الثقة عن كوربن الاثنين، وقد يجري التصويت في اليوم التالي (اليوم). وبالنظر إلى مقدمي الاستقالات داخل الحزب للضغط على كوربن للتنحي من القيادة، نجد انهم يمثلون ثلاثة جيوب، البعض يتهمهم كوربن بأنهم كانوا تحت ضغط من القيادي هيلاري بين الذي كان يتحرك علناً للإطاحة به عبر تقديم الاستقالات، كما تتهم غلوريا دي بييرو النائبة عن شيفلد التي كانت استقالتها أكبر مفاجأة في مجموع المستقيلين، بالرغم من أنها تعد من مجموعة الضغط التقدمية البليرية، نسبة إلى توني بلير، والتي تعد خسارة كبيرة لكوربن لأنها امرأة من الطبقة العاملة ومن المرتبطين بقواعد الحزب. كما يعد ايان موري النائب من إسكتلندا من أكبر خسارات كوربن لأنه الوحيد الذي يمثل هذا البلد، والذي عبر عن ضجره لفشل قائد الحزب من كسب معركة الاستفتاء، ما سيعاظم الضغوط على الحزب اليساري الذي فقد كثيراً من مقاعده في إسكتلندا جراء معركة استقلالها السابقة، والآن تتجدد نفس المطالب للاستقلال ما يعني خروجها عن المملكة المتحدة فضلا عن حزب العمال. ويوجد في قائمة المستقيلين النائب عن شرق بريستول كيري مكارثي وزير البيئة في حكومة الظل الذي يعد من الموالين لرئيس الوزراء السابق جوردون براون، الذي أعرب عن قلقه علنا إزاء عدم قدرة كوربين على القيادة. وقالت آنا تورلي المتحدثة باسم الحزب للشؤون المدنية في خطاب استقالتها الذي نشرته على تويتر «لا أعتقد أن حزب العمال بقيادتك في حالة جيدة أو سيكون في حالة جيدة للتوجه إلى الجماهير في الانتخابات والطلب منهم أن يفوضونا لنخدمهم في الحكومة». لكن يبدو أن جيرمي كوربين الذي جرى انتخابه حديثا عازم على عدم الانسياق لموجة الاستقالات التي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، وقام بتعيين عدد من المسؤولين ليحلوا محل من قدموا استقالاتهم يوم الأحد، ورقي عدة أعضاء من الدائرة المقربة من أنصاره اليساريين ليتولوا أدواراً بارزة في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية. وقال في بيان: «أشعر بالأسف للاستقالات التي شهدتها اليوم حكومة الظل. لكنني لن أخون ثقة الذين انتخبوني أو ملايين المؤيدين في أنحاء البلاد الذين يحتاجون إلى حزب العمال لتمثيلهم».

ويرمي كوربن إلى أنه منتخب في قيادة الحزب من قبل جماهير حزب العمال، وليس من النواب البرلمانيين للحزب. وقال «سيكون على الذين يريدون تغيير زعامة العمال التنافس في انتخابات ديمقراطية سأكون مرشحا فيها»، وهو بهذا يقطع الطريق على استقالات حكومة الظل، وضغوط نواب البرلمان، بأنه سيكون حاضراً ويقوم بترشيح نفسه مرة أخرى إذا ما قدر لمؤتمر الحزب القيام لاختيار قيادة جديدة.

ومع ذلك ما زال اليساري العتيد يحتفظ بعدد من القيادات المؤثرة في الحزب في حكومة الظل مثل وزير الخزانة جون ماكدونيل، الذي رفض الاستقالة إلى جانب أندي بيرنام وديان أبوت وإميلي ثورنبيري الذين عبروا عن دعمهم لكوربن. أما وزير الدفاع في حكومة الظل فيرنون كوكر فقال إنه لم يتخذ موقفاً بعد.

وتتنوع مشارب الدعم لكوربن في حكومة الظل، إذ نجد مثلاً وزير الداخلية اندي بورهام الذي قام بالتغريد على تويتر وكتب: «لن أذهب للمشاركة في الانقلاب» لكن كثير من المحللين يرون أن بورهام عينه ليكون أول عمدة لمانشستر الكبرى في الانتخابات المقبلة. واضطر جون ماكدونيل حليف كوربين الرئيسي إلى نفي الشائعات التي تقول إنه يناور ليحل محل صديقه في زعامة الحزب، عندما قال «أنا لن اقف أبدا لقيادة حزب العمال، وإذا قرر جيرمي الترشح للقيادة من جديد سأقف إلى جانبه واعتقد أن أعضاء الحزب سينتخبونه»، وهو نفس الرأي الذي حرصت وزيرة صحة الظل ديان ابوت المحامية الشرسة عن زعيم الحزب والتي ظهرت في كثير من المقابلات التلفزيونية تدافع عن صديقها ورفيقها كوربن، وتؤكد أنه سيفوز بزعامة الحزب إذا مضى الجميع إلى مؤتمر الحزب، لأن القواعد العمالية معه، في وقت قال وزير الحكومات المحلية في المعارضة جون تريكت إنه خلف الزعيم اليساري الاشتراكي 100%. وقال: «نحن بحاجة لرجل لتقديم رؤية بديلة لبريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي ومختلفة عن رؤية مايكل غوف ونايجل فاراج اليمينية ضيقة الأفق وشوفينية». ونجد هناك من آثر أن يقف في المنتصف مثل اللورد بسام برايتون والذي رفض تقديم الدعم لكوربن، ولكنه رفض الاستقالة أيضاً من حكومة الظل وقال مع هذا فإنه يرفض حضور الاجتماعات إلى حين مغادرته.

رغم أن رئيس الوزراء السابق وحزب العمال توني بلير رفض التعليق على ضرورة استقالة كوربن من عدمها، ولكنه حمله جزءاً من المسؤولية، حيث «لم يتلق مؤيدو حزب العمال أولئك رسالة واضحة من حزبهم، فانجذبوا إلى وعد المنادين بالخروج بعد تناول حزب المحافظين، بالتحالف مع حزب الاستقلال اليميني المتطرف، قضية الهجرة وبنى عليها حملته للخروج من أوروبا. وكان يمكن لهذه الاستراتيجية أن تفشل لولا العثور على قضية مشتركة مع قطاع غير هين من ناخبي حزب العمال».

وتظل الأيام المقبلة حبلى بالكثير داخل حزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربن، التي تتبنى سياسات يسارية واشتراكية مقبلة تجد هوى لدى عوام جماهير الحزب، مثل الدعوة لإعادة مؤسسات النقل والبريد للملكية العامة، وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل حقبة المرأة الحديدية «تاتشر»، ولكن الواعين في الحزب ينظرون بقلق شديد لانحسار الحزب في معقله في إسكتلندا التي خسر أغلب دوائره فيها. ويتعاظم قلقهم لتصويت جماهير الحزب في قواعده من المدن الصناعية ذات الطابع العمالي بكثافة ل«الخروج» وتقبلهم لأطروحات اليمين، وأن الأمر إذا استمر على هذا النحو فإن الحزب سيخسر لا محالة في الانتخابات المقبلة، وأن الطريق الأمثل لتفادي هذا السيناريو هو الإطاحة بجيرمي كوربين بأسرع ما يمكن.

المصدر: الخليج