متلازمة القمع وصناعة المواطن الهزيل

آراء

بمجرد أن شاهد ضباط وجنود حماية بغداد أيام الغزو ثلاث دبابات أمريكية وسط الميدان الرئيسي للعاصمة رموا أسلحتهم وهربوا. بعضهم خرج مستسلماً رافعاً ذراعيه بالملابس الداخلية. كانوا نائمين والمفترض أن يسهروا على حراسة عاصمتهم. مزاعم النظام العراقي بأن الغزاة سوف ينتحرون على أسوار بغداد طارت في الهواء خلال خمس دقائق. كانت مهزلة بكل المقاييس على المستوى العراقي والعربي والإسلامي.

عندما غزا الغربيون العراق اختاروا الوقت المناسب. الروح المعنوية كانت قد تبخرت وشح الموارد في المجتمع العراقي جعل الناس في حالة تنافس على فرص البقاء، أما الولاء للعراق كوطن ودولة فكان قد ذاب وتفتت. لم يكن قد بقي سوى الخوف، خوف المواطن المقموع لعشرات السنين من سلطة النظام، وهو خوف أسود عميق متغلغل في الدم تراكم عبر ثلاثين سنة من فرض الأمن بالقوة القمعية والترهيب. كان العرب والمسلمون يصدقون مزاعم الإعلام العراقي عن جبروت آلته العسكرية، لأنه كان يدغدغ أحلامهم بالمجد القادم، ولأنهم لا يعيشون داخل العراق ولا يعرفون معنى فرض الولاء فيه بالترهيب تحت شعار الاستعداد للموت في سبيل الوطن والعروبة.

نفس الوضع حصل في ليبيا لمعمر القذافي. آلته القمعية لم تضمن الولاء، لا له ولا لنظامه ولا حتى لليبيا كوطن ودولة. كان المواطن الليبي مقموعاً طيلة أربعين سنة، وما إن شعر بارتخاء القبضة القمعية حتى عاد كل مواطن إلى ولاءاته السرية المختبئة خلف التظاهر بالولاء الكاذب للوطن.

في تونس ومصر واليمن سارت الأمور بطريقة ألطف قليلاً. لم يكن هناك غزو أجنبي يتيح للضابط والجندي الهرب المبرر من ساحة المواجهة، لكن النهايات كانت متشابهة. بمجرد إحساس المواطن المقموع بارتخاء القبضة الأمنية خرج الناس إلى الشوارع ثائرين.

بالمقابل في نهايات الحرب العالمية الثانية عانت الجيوش الأمريكية الأمرين من الدفاعات اليابانية الصغيرة المتناثرة في جزر معزولة في المحيط الهادئ على بعد مسافات شاسعة من العاصمة طوكيو. العسكري الياباني كان يفضل الموت على الاستسلام للجيش الأمريكي، إلى أن وصلته الأوامر عبر موجات الراديو من الإمبراطو الياباني بأن يستسلم. السبب في هذه الاستماتة الدفاعية كان الولاء الوطني الصادق للوطن والدولة. كانت اليابان دولة إمبراطورية تقمع الشعوب الأخرى التي تحتلها، لكنها لم تكن تقمع المواطن الياباني. الحكم الإمبراطوري نقل اليابان خلال مائة عام فقط من مجتمع آسيوي بدائي إلى قوة صناعية وعلمية جبارة. التعليم والتدريب وتوظيف العقول كانت أسلحة اليابان، ولم يكن للقمع الجبري مكان في فرض الولاء الوطني، مثلما حصل في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن.

انظروا ماذا يحصل في سوريا. بمجرد أن ثارت مدينة درعا، انتشرت الثورة في كل مكان. بدون العمالة لإيران كان النظام السوري ومعه حزب الله في لبنان ساقطين لا محالة منذ الشهور الأولى للانتفاضة. هما سوف يسقطان في النهاية بدون شك، لأن حضور إيران في سوريا تحدده مصالح إيران فقط. النظام السوري وحزب الله مجرد زوائد دودية وذرائع لكسب أوراق تفاوضية. لم يكن السوري يشعر بأنه مواطن، وإنما عبد رقيق بفوهة بندقية في مؤخرة عنقه تجبره على الركوع.

الخلاصة: بمفاهيم الولاء الوطني الصادق والاستعداد للتضحية حتى النهاية، لا يمكن الحصول على مواطن بهذه المواصفات وهو مقموع ومرغم على الطاعة والتظاهر بالولاء في أوقات السلم. هناك تلازم جبري بين القمع وإنتاج المواطن الهزيل، مثلما أن هناك تلازما جبريا بين تحقيق العدالة وإنتاج المواطن الصلب المستعد للسير في سبيل وطنه إلى آخر الطريق.

المصدر: الجزيرة