محمد خليفة بن حاضر .. قيثارة الهوية

منوعات

Capture

ما صمتت قيثارة الهوية في جنبات المكان لما ترجل صائغ لحنها ونسّاج معانيها. إذ كيف تفعل وشاعر الوطن: الراحل محمد خليفة بن حاضر، صحبة رفاق الكلمة والقصيد، دأب لأن تكون ترانيمها جذوة جمال نابض بأبجديات الفنون.. ينغِّم تواشيح قصيد شجي مرسلٍ في رياض (دانة الدنيا) تذكيه وتصوغه روح إبداع منبتها «ندوة الثقافة والعلوم في دبي».

لا بد وأن تنثال خيوط الحديث، وبتلقائية، مؤتلقة براقة، عن الراحل محمد خليفة بن حاضر حين ندلف أو نتطرق إلى عوالم الندوة وسيرتها وتاريخها ومبادئها، أو بالعكس.

فهو أحد رجالاتها المؤسسين، بل مَن بقي وفياً لها ولنهجها ورؤاها، بأدق التفاصيل والممارسات؛ إذ بادلها، كما حالها: الوفاء وفاء والبناء بناء، ليرسما معاً، فضاءات قصيدة هاجسها الوطن.. وشاغلها الإنسان وعطرها خلطة التراث والمعاصرة والتطور والعمران.

من كل بستان زهرة

رجل وطني وصاحب مشروع ثقافي مجتمعي.. وأديب عروبي معتز بمنبته وأهله. هذا ما كانه بن حاضر.. الدمث الودود والمنفتح على جميع الناس.. مَن لم يغادره الحب، يوماً إذ استمر يطرزه ابتسامة على شفتي القصيدة أو ينثره حمرة تتراقص على صفحات المعاني والفِكر.

ولا غرابة في أن يكون صاحب مثل هذه القامة، وبصفاتها تلك، من بين أوائل الجاهدين لتأسيس ندوة الثقافة والعلوم في دبي؛ فابن حاضر آمن أن أي نجاحات في عصرنة المجتمع، اقتراناً بصون روحيته الثقافية وسماته التكوينية العربية، لن تترسخ وتتعزز بغير وجود حاضنة/ بيت للإبداع والمبدعين.. للفكر والمفكرين.. للمواهب ولعشاق الآداب والفنون.

ويشهد له الأصدقاء جميعاً، على رأسهم أصدقاؤه من مؤسسي الندوة، أنه تفانى إلى أبعد الحدود في سبيل أن يرى هذا المشروع النور..ثم حرص على أن تبقى شعلته متقدة وتتوسع في مساحاتها ومديات استقطابها.

 وهكذا فإنه لم يتأخر عن المبادرة والاشتغال الدائمين لجعل الندوة تبلغ المكانة المرجوة والأهداف المرسومة، وبذا استمر مسكوناً بهذا الشاغل، أثناء عضويته في مجلس إدارتها (منذ الدورة الأولى: 4 يناير 1988 وحتى الثالثة التي انتهت في 29 مارس 1995)، وخارج عضوية المجلس.

اهتمامات وصفات كثيرة، عنونت شخصية مبدعنا الراحل الأديب و(عضو المجلس الوطني الاتحادي). فابن دبي.. الأديب حارس الهوية ومرسل نغمها، جمع من كل بستان زهرة. إنه الناقد الصريح، بحدة وجرأة، لأي سلوكيات أو أفكار هدامة بحق الوطن أو إرثه أو حاضره ومستقبله.

أيضاً هو الدبلوماسي المحنك.. وفاعل الخير والرومانسي.. وكذا الكلاسيكي. كان ابن حاضر، مَن أفلح كرجل أعمال ولمع وجهاً اجتماعياً بارزاً، ثاقب الرؤية، ومثقفاً موسوعياً لا يرتضي إلا الاطلاع على دقائق الأحداث والحكايا والقصص، في المجالات جميعها: السياسية والفكر والمجتمع والأدب والعلوم.

شهادة

يؤكد الشاعر محمد بن مسعود، أن سيرة ومسيرة الراحل محمد خليفة بن حاضر توشيهما جوانب تفرد عديدة حازها. ويضيف: تنطوي شخصية الراحل محمد بن حاضر، على أبعاد جمالية كثيرة.

ولكننا إذ نصدق القول بدقة في الشهادة بحقه، نجدنا ملزمين أن نعرّف به، أولاً وقبل أي شيء، بأنه العروبي والوطني حتى النخاح. الشاعر الذي آمن أن جمال الفن والإبداع لا يكتمل إلا وهو يتكون شفيفاً عذباً على سطح لوحة الوئام الإنساني وتسيد الحب والسلام.. ونصرة الحق.

مواقف وذكريات

يتابع ابن مسعود حديثه عن رفيق العمر والشعر: عرفت في شخصية الراحل، الصدق بأسمى معانيه. ولم أعهده إلا ودوداً وصديقاً للجميع. ولا بد أن يتبين الناظر في عمق تجربته وفكره وشعره، مدى التطابق بين ذاته الإبداعية والأخرى الشخصية.

إذ لم نخبره إلا كلاً متناغماً بعيداً عن التناقض.. راسخ الأساس تعنيه الأصالة.. فخوراً بانتمائه وجذوره. مواقف وجلسات كثيرة، جمعتني وابن حاضر، لا تفارق مخيلتي وفكري. لكن الأبهى أن جميعها معطر بما كان يحوزه من نبل وزخم إنساني ورفعة.. إذ ما خبرته يوماً، إلا مخلصاً لثوابته .. داعماً للمحتاجين.. منتصراً للملهوف.

قامة

محمد خليفة بن حاضر (1948 – 2011 م). أديب ودبلوماسي إماراتي. ولد في دبي وتوفي في باريس. عضو المجلس الوطني الاتحادي في إحدى دوراته. تخرج من جامعة ليدز ببريطانيا في حقل إدارة الأعمال سنة 1970 م. عمل في السلك الدبلوماسي منذ سنة 1972 م، إذ عمل بداية في سفارة الإمارات العربية المتحدة في بيروت، ثم نقل قنصلاً عاماً في كراتشي بباكستان.

عهد

من شعر محمد بن حاضر:

بالروحِ سوف أصونُه بدمائي

أسقيه في السراءِ، في الضراءِ

وطني رضعتُ هواهُ صرفاً صافياً

وكرامتي من نبعِهِ وإبائي

أنّى ذهبتُ تخالني متغنياً

بجمالِهِ، إنّ الجمالَ غنائي

هو لي منارٌ أهتدي بسنائهِ

وله على مر الزمانِ ولائي

ولسوف أدفعُ عنكَ غائلةَ الردى

حُراً يرفرفُ بالصمودِ لوائي

حريتي في موطني عاهدتُها

عهداً يرد مكيدةَ الأعداءِ

ويصد أطماعَ الزمانِ بقوةٍ

ما هب طماعٌ يريدُ فنائي

فالحر لا يرضى برؤيةِ ظالمٍ

كلا ولا بمباذلِ السفهاءِ

المصدر: البيان