بدر الراشد
بدر الراشد
كاتب سعودي

مردوخ.. أفكار عقيمة لها 1000 قدم!

آراء

تعليقاً على اعتداء باريس قبل أيام، كتب إمبراطور الإعلام روبرت مردوخ تعليقا اعتُبر مستفزاً وظالماً للمسلمين؛ إذ علق عبر حسابه في «تويتر» قائلاً ما معناه: «ربما كان معظم المسلمين مسالمين، لكنهم يتحملون المسؤولية (عن الاعتداءات الإرهابية) حتى يتعرفون على سرطان الجهاديين بينهم ويستأصلونه».

تباينت التعليقات على كلام مردوخ، لكن الأهم في هذا السياق أنها ليست المرة الأولى التي يطلق فيها مردوخ تصريحات إعلامية تعتبر متطرفة وسطحية. فللرجل تاريخ من تبني آراء متحيزة ومتطرفة. سأشير في هذه المقالة إلى بعضها أبيِّن خطورتها.

عندما اجتاح آرييل شارون بيروت سنة 1982، أظهر مردوخ إعجابه وغبطته بما فعله شارون وجيش الاحتلال الصهيوني، وعندما سأله أحد موظفيه إن كان هذا الأمر «أخلاقياً» أجاب مردوخ بأن هذا غير مهم. ثم علق بما معناه إن شارون قادر على الحسم، وهذا أهم.

وحول المسلمين أيضاً، قال رجل الأعمال الأسترالي-الأميركي ذات مرة لأحد مرافقيه إن المسلمين يعانون من إصابة مفرطة بالتشوهات الخلقية عند الولادة بسبب ميلهم إلى زواج الأقارب. هنا، يخلط مردوخ نصف معلومة علمية بتعميم، من أجل إرضاء تحيزاته وانطباعاته المسبقة تجاه المسلمين؛ محاولاً استنقاصهم.

تعليقات مردوخ وآراؤه المتطرفة لا تستهدف المسلمين فقط، فللرجل تعليقات أخرى شهيرة حول النساء، والسود، اتسمت بالعنصرية وعدم التسامح. منها على سبيل المثال تعليقه حول رئيس الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، إذ قال مردوخ ما معناه -في سياق الحديث عنها وعلى رغم دعمه لها في حملتها الانتخابية آنذاك- إن النساء غير مهيآت للمناصب العليا؛ لأنهن عاطفيات. رودني تايفن في كتابه «روبرت مردوخ: إعادة تقييم» ذكر آراء ومواقف لمردوخ السياسية، ووصفها بأنها سطحية وساذجة.

لا يقف الأمر عند حد تعليقات عابرة كالتي أشرت إليها سابقاً، بل إن هذه الآراء السياسية والتوجهات قد تنعكس مباشرة أحياناً على سياسات بعض الوسائل الإعلامية التي يمتلكها مردوخ، مثل «فوكس نيوز». وهذا يكسب آراءه أهمية وخطورة مضاعفة.

فروبرت مردوخ أعلن حاسم عام 2003 دعمه لإدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في حربها على العراق، معتبراً أن كل العالم سيستفيد من النفط الرخيص الذي سينتج من هذه الحرب. بهذه الرؤية التبريرية السطحية قادت «فوكس نيوز» واحدة من أبرز حملاتها لدعم وتبرير احتلال العراق. هذا الدعم لم يتوقف حتى بعد أن بدأت القنوات الأميركي الأخرى لاحقاً بالتركيز على سلبيات الحرب أكثر من إيجابياتها المفترضة.

مردوخ يمتلك إمبراطورية إعلامية تعتبر واحدة من أضخم الشركات العالمية، والتي تصل إلى قرابة 75 في المئة من سكان الأرض؛ إذ بدأ نشاطه الإعلامي في أستراليا، عندما ورث عن والده مؤسسة إعلامية متعثرة في الخمسينات الميلادية، ثم انتقل إلى بريطانيا في أواخر الستينات ليصنع أمجاد صحيفة «ذا صن»، صحيفة التابلويد المتخصصة بالأخبار المثيرة والفضائح الجنسية، ثم انتقل بعدها عام 1973 إلى الولايات المتحدة ليبدأ صفحة جديدة من صفحات نجاحاته التجارية وتمدده العالمي.

هناك مفارقات كثيرة في حياة مردوخ، فإبان دراسته في جامعة أوكسفورد أول الخمسينات (لم يكمل دراسته) كان والده يخشى عليه من أن يصبح شيوعياً بسبب آرائه اليسارية المتطرفة. هذا «اليساري» المتطرف في شبابه الذي كان يلقب بين زملائه في الجامعة بـ«الأحمر»، أسس بعد عقود طوال (1996) واحدة من أكثر القنوات الأميركية اليمينية تطرفاً، أعني «فوكس نيوز»، تلك التي باتت تزايد على الجمهوريين في يمينيتها.

مردوخ يمثل جانباً من النخب الغربية المؤثرة غير المحسوبة على المجال الثقافي والأكاديمية مباشرة؛ فهو رجل أعمال دائماً ما يثير الجدل باعتبار آراءه السياسية متسرعة وسطحية. لكنها تملك ما يجعلها تنتشر عبر طرق ووسائل عدة.

فمردوخ يملك حصصاً متفاوتة في مئات الوسائل الإعلامية حول العالم، مع أن جدلاً واسعاً يمكن أن يدور حول إذا ما كانت تحيزات مردوخ تنعكس على كل وسائل الإعلام التي يملكها، وهو ما اعتُقد بأنه غير دقيق وغير ممكن من الناحية العملية. فمن من غير المتيسر لمردوخ أن يضبط المحتوى الإعلامي لأكثر من 800 وسيلة إعلامية تعمل في 50 دولة تقريباً. كما أن ضُبط من هذا النوع قد يحولها إلى مؤسسات خاسرة تجارياً. لكن من ناحية أخرى، من المؤكد أن تحيزات مردوخ تنعكس على بعض الوسائل الإعلامية التي يملكها، مثل قناة «فوكس نيوز». وهنا تجدر الإشارة إلى طرد مردوخ أحد محرري صحفه الأسترالية باعتباره أصبح ليبراليا أكثر من اللازم، وهو ما يعني أنه يتدخل في السياسات التحريرية لبعض مؤسساته الإعلامية.

مردوخ نفسه غير واضح في هذه النقطة، فتارة يتحدث عن إمبراطوريته الإعلامية، باعتبارها مؤسسة ربحية بحتة، لكنه في مقابلات أخرى يتحدث عن دوافع وهواجس آيديولوجية. كما صرح لوليام شوكروس، أحد كتاب سيرته الذاتية.

يمكن إضافة بُعد آخر لأهمية ما يقوله مردوخ، فهو يملك علاقات واسعة مع مراكز بحثية يمينية يدعمها سنوياً بملايين الدولارات. هذه المراكز البحثية تدعم على المدى البعيد حملات وسياسات يمينية، تتمثل الأفكار التي يؤمن بها مردوخ بشكل مباشر. فقوة رأس المال والنفوذ الإعلامي الواسع جعلا لتلك الآراء البسيطة والعقيمة قوة انتشار وهيمنة أكبر بكثير من قدراتها الذاتية. من خلال إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة وبثها عبر وسائل إعلامية ذات هيمنة ونفوذ.

المصدر: الحياة
http://alhayat.com/Opinion/Badar-Al-Rashad