زياد الدريس
زياد الدريس
كاتب سعودي؛ كان سفيراً لبلاده في منظمة اليونسكو

«مكافئة» الفساد

آراء

أولاً: أرجو من المدقق اللغوي بالصحيفة أن لا يصحح الشكل الإملائي لكلمة «مكافئة»، فقد تعمدت كتابة الهمزة على كرسي بدلاً من ألِف حتى تصبح أكثر شبهاً وخداعاً بصرياً مع كلمة «مكافحة».

ثانياً: إذا أردنا أن نكتب عن (الفساد) فأقترح استثناءً عند كتابة الهمزات، المرفوعة والمنصوبة والمجرورة، أن نضعها كلها على (كرسي)، ذلك أن هناك علاقة وطيدة وقديمة بين الكرسي و»همزات» الشياطين!

ثالثاً: بعيداً عن جلد الذات، يجب الإدراك بأن ليس هناك بلد في العالم لا يوجد فيه فساد، لكن الفارق بين العالم العربي والعوالم الأخرى أن هذه الأخيرة إذا ثبتت فيها تهمة الفساد على مسؤول فإنه يُنحّى من منصبه، هذا إذا لم يبادر هو بالتنحي خجلاً من فعلته. أما في العالم العربي فإن المسؤول المتورط في الفساد لا يعرف هو أصلاً ثقافة التنحي، كما أن الحكومة لا تستعجل في تنحيته حتى لا تتورط في سلسلة تنحيات قد تطول وتطول!

رابعاً: كان خبراً فريداً أن يقدّم رئيس حكومة كوريا الجنوبية استقالته أول من أمس لأن عبّارة بحرية بها ١٨٧ راكباً فقط قد غرقت، بينما تغرق في عالمنا العبّارات وفيها الآلاف وتنهمر العبرات وتُكتب العبارات المؤثرة ولكن لا أحد يتأثر ولا مسؤول يستقيل، لماذا؟! لأن الإنسان عندهم فوق كل اعتبار، ونحن عندنا المسؤول فوق كل اعتبار وعبّارة وعَبرة.

خامساً: والآن، قريباً من جلد الذات، فإن حماية الفاسد في العالم العربي قد لا تتوقف عند عدم تنحيته فقط، بل ربما تجاوزت إلى ترقيته، كي يرتقي عن الشبهات والشكوك، عندها ترتبك معايير الناس التي تربّوا عليها في «مكافئة» المحسن ومعاقبة المسيء. فبعد أن أيقنوا بأن هذا المسؤول الفاسد، أو المشبوه على الأقل، أصبح قاب قوسين أو أدنى من السقوط، إذا به يصبح قاب قوسٍ واحد من الوصول إلى ذروة مبتغاه.

سادساً: مكافحة الفساد لا تتم ولا تتحقق إذا كانت تُطبّق بشكل جزئي، على البعض دون آخرين وعلى الضعفاء دون الأقوياء وعلى المقدور عليهم دون القادرين. ولذا هدّد رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) المجتمعات ذات العدالة الإنتقائية على المستضعفين دون الأشراف بالهلاك… وهل بعد الهلاك من نذير!

سابعاً: من أشد أنواع الفساد التي يمارسها بعض المسؤولين، ليس تزييف الفواتير بل تزييف الآراء وتجميل القبيح وتقبيح الجميل تزلّفاً وتقرّباً وطمعاً في المزيد من المال أو الجاه. وهذا النوع من الفساد الأخلاقي أحرى بأن يحصل بالطبع على «المكافئة» لا المكافحة من ذاك المتورط في الفساد المالي. رغم أن الفساد بالرأي «المزوّر» أشد خطراً وإهلاكاً من الفساد بالمال، وهو أولى حقاً بالمكافحة.

يا ربّ… احم أيدينا من أن تتكسًب بغير حق، واحم ألسنتنا من أن تتقوّل غير الحق، واحم أنفسنا، من أن تطمع بلا حدود أو تخشى بلا حدود، غير الحق سبحانه وتعالى.

المصدر: الحياة