منال مسعود الشريف
منال مسعود الشريف
مستشارة أمن معلومات وكاتبة سعودية في جريدة الحياة وناشطة حقوق مرأة

منال الشريف «شيعية»!

آراء

راعني يومها أن أرى طفلي الوحيد «عبدالله» وآثار الضرب على وجهه، وهو عائد من مدرسته الابتدائية. فهمت منه أن الأطفال الأكبر منه ضربوه بعد أن عرفوا أنه «ابن منال الشريف اللي ساقت سيارة». كان عمره خمسة أعوام، خرجت كلماته متعثرة تشرح ما حدث: «قال الولد أنا شفت أمك في «فيسبوك»، أنت وأمك لازم تكونون في السجن». ما زلت أذكر كيف أنني لأول مرة لم أعرف كيف أهدئ من روع طفلي، لأن روعي كان أكبر.. كيف لطفل في الخامسة أن يفهم كلمة مثل «سجن»، وكيف أشرح له شيئاً أكبر من أعوامه الخمسة، وكيف لأطفال بعمر الزهور أن يحملوا وزر الكراهية التي ابتلي بها الكبار. نزلت على ركبتيّ وأنا أنظر لعينيه المتسائلتين، وأخذته بين ذراعي، ولفنا الصمت طويلاً.

حين وضعته في سريره تلك الليلة، لم أنم بين دموعي، تلك الحادثة جعلتني مصممة أكثر من أي وقت مضى أن أكمل ما بدأته، وأن أجمع قصاصات الصحف والمقالات التي تتحدث عن أمه خيراً أو شراً، أن أجمع كل ما حدث معي ويحدث في كتاب أعكف على كتابته الآن، ليكون توثيقاً لهذه الفترة، وليكون كتابه هو، وكتاباً لأطفال سيغدون رجالاً ونساءً بعد سنوات. أتمنى وقتها أن يغدوا رجالاً حقيقيين يُظهرون عرفانهم بالجميل لمن أنجبتهم، في زوجاتهم وبناتهم، ونساء عرفن حقوقهن كما حفظن واجباتهن، لا يرضين بالمهانة أو انتقاص حقوقهن بأي اسم.

في الثالث من أيار (مايو) هذا العام، يمر عامان منذ بدأت حملة «حق المرأة في القيادة» مع بهية المنصور (طالبة الشريعة الإسلامية، وابنة أخ المخرجة السعودية هيفاء المنصور، والرسامة هند المنصور). وعلى رغم مماطلة رئيس ديوان المظالم في قبول القضية التي رفعتها ضد الإدارة العامة للمرور في ١٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١١ للاعتراض على قرار عدم منحي رخصة قيادة، بدعوى صدور أمر سام يمنع النظر في قضايا قيادة المرأة، ومن دون إطلاعي على رقم هذا الأمر أو نصه، وعلى رغم الهجمة المؤلمة من محاربي تمكين المرأة واستقلاليتها، والتي تنهش في عرضي وعرض كل سعودية طالبت بحق لها، وعلى رغم سيل الإشاعات المستمرة التي بدأت من منال الشريف، من أنه مغرر بها وأنها عميلة لإيران، ثم مجندة في منظمة «كانفاس» الصربية، ثم مدعومة من إسرائيل، حتى الإشاعات التي تتناول سمعتي وعقيدتي، من صنف أن منال الشريف «شيعية» مولودة في «سويرقية» مهد الذهب، وأنا ولدت في مكة المكرمة لعائلة تتبع المذهب الشافعي من مئات السنين، (مع إحترامي وتقديري لإخوتنا الشيعة الذين يشاركوننا الوطن الغالي) ومثل «منال الشريف تصف رجال الهيئة بالكفار» في «تغريدة» كذبوها علي، ثم منال الشريف مطلوبة في بيت الطاعة، وحتى «الفيديو» الذي انتشر كالنار في الهشيم لأحدهم، وفيه يتهمني أنني غررت بابنته وأخذتها لحسينية! وانتهاء بأخبار موتي في حادثة سيارة، تناقلته الصحف العالمية!

على رغم كل ذلك، ما زادتني الأخبار السيئة إلا محفزاً لصنع أخبار سعيدة أحكيها لأحفادي، إن كان في العمر بقية.

غدت مبادرة قيادة المرأة السيارة مبادرة أكبر وأعمّ تحت اسم «حقي كرامتي»، تناضل من أجل مواطنة كاملة للمرأة السعودية، وتناضل من أجل أن تعرف المرأة أنها كاملة الأهلية لا تحتاج إلى وصاية من ذكر، على رغم القوانين التي مازالت تسلبها هذا الحق الطبيعي، تناضل أن يعرف الجيل اللاحق أن الجيل السابق لم يستسلم للدموع والانهزامية و«ماذا؟ ولو..».

تسألني النساء في عائلتي: «هلاّ توقفتِ من أجل طفلك عبدالله»؟ وأجيبهن: «لن أتوقف حتى أكتب نهاية سعيدة للكتاب الذي سأهديه لعبدالله ولحفيداتكن».

المصدر: صحيفة الحياة