خاص لـ هات بوست:
في كتاب كثيف يضمّ ثلاثمائة وسبعة وستين صفحة، أطلقت الشيخة بدور القاسمي إصدارها أثرًا مَجَازيًّا استعاريًّا يُتلى بلسان أنثويّ مُبين. وقد وَسَمَت الكتاب بـ”أخبروهم أنّها هنا: بحثًا عن ملكة مليحة”. وقُسِّمَ الكتاب إلى أحدَ عشرَ فصلاً وخاتمة ومرفقات أخرى والتمهيد والمقدمة.
وقد استهلّت الكتاب بفضاء مجازيّ مُكثَّف يستعيرُ أصابع الضوء وصورا مُبتكرة ويَهمسُ في أذن الوجود. فتنساب الحكمة الأولى من رحم الأرض ويتسعُ الممكن للأصوات القادمة من البعاد وتتصاعد في الأحقاب ذاكرة وأبديّة. يَشدّك هذا الفضاء منذُ البداية، إذ يجدُ القارئ نفسه أمام تمهيد أشبه بالسير بين العوالمِ يُعلنُ منذُ البدء أنّ البدء ما عليه الكتاب. وهو “نسيج نورانيّ” حاكتهُ بخيوط الذّاكرة والأسطورة.
هي لعبة أتقنها أسلافنا القدامى ببراعة الأبرار، وأفلحَ في رَتْق مقاليدها أبناء الوجود. تقول: لا بدّ من الإصغاء للحكايات القديمة والصور والاستعارات وأصداء الآلهة المعرفة المُتشعبة والمُتشابكة. ألم يقل لنا أرسطو حكمة مفادها: ” أنْ تكونَ بارعًا في صنع الاستعارات يكافئ أن تكونَ مُـبصرا في إدراك التشابهات.” ألم يُعِدْ صياغة الحيّز المنطقيّ للمخيّلة المُنتجة والمُبتكرة. وهنا يمضي التوازي بين الاستعارة والسرد، وبين الأساطير والذاكرة.
تفتحُ الكاتبة مُقدّمتها بالاستعارة وبالقبض على خيوط الحكاية سيرة ضوئيّة. فتقول “النسج ليس مجرّد حرفة، وليس مجرّد عمل منزليّ أو عمل نسويّ… بل هو فنّ الإبداع المقدّس.” لتبيّن أنّ النساء هنّ اللاتي يغزلن الحياة. هذا الحضور الرمزيّ لحرفة يدويّة هو استدعاء لقماشة العيش، وللترابط والتلاقي والانشباك. تعود الكاتبة إلى الأساطير اليونانية القديمة لترسخَ قولها في أسطوريّة النسيج ومُمْكِنَاته العجائبيّة. نسّاجات الحكايا الميثيولوجيّة لسن مجرّد استعارة وفقًا لقَولهَا، وإنَّما هي طقوس مهيبة لدى الكهنة والشعراء والآلهة. ولا تكتفي بالمرجعيّة الغربيّة، لتعودَ إلى التراث العربيّ، فتذكر “نساء البدو في الصحراء، حارسات فنّ “السدو” التراثيّ، يجمعن في حلقات بأيادٍ تشبه من يتضرع بالدعاء، يغزلن من شعر الإبل وصوف الماعز وخيوط الغنم…”
لا تخفي الكاتبة اعتزازها الكبير بمهدها الشَارقيّ وبذاكرة المكان وجماليته وبوالدها الحصيف الذي أنجبها في محراب مُتقدّ بالمعرفة والولع الغامر بالتاريخ. تقول: “لم يكن والدي رجل دولة وحاكما فحسب، بل مفكرًا وعالما بالتراث والأنساب، ومؤرخا لعصره-ناسجا للحقيقة والزمن”. لتختمَ مُقدّمتها بما نُسبَ إلى أفلاطون: “من يروي الحكايات يحكم المجتمع.”
تنقلُ مشاعرها بإيقاعيّة وتحوّل، وتُخبرنا أنّها هنا، وتُحدّثنا عن انشغالها بالذاكرة، وبالكتابة والتراث.
تتحرّر الكاتبة من اللغة الواحدة وتُراوح بين الكتابة المرجعيّة والشعريّة والسرديّة والتاريخيّة، إذْ نجدها في الفصل الأوّل من الكتاب تشدّد على عشقها الجامح للطبيعة، ولروح الأرض ورائحة الحياة. وتؤكّد أنّه موروث أبويّ بالأساس زرع فيها منذ الصغر. كيفَ لا و”الطبيعة معبد من الأعمدة الحية.” تبدأ الكاتبة بسرد أول صعود ولقاء بالجبل، ولا يبدو الافتتاح بالجبل اعتباطيّا وإنّما هو دلالة على القوّة والثبات والعزّة والتحدي والارتقاء والصمود. يقول الشابيّ في هذا الصدد: “ومن لا يحبُّ صعودَ الجبال… يعشْ أبدَ الدهر بينَ الحُفر.
ويقول المتنبي في ذات السياق: “وكم مِن جبالٍ جُبتُ تَشهد أنّني الـ جبال وبحرٍ شاهدٍ أنّني البَحرُ.”
تُبيّن الكاتبة في هذا الفصل تجربة صعودها إلى جبل كليمنجارو والتي مثّلت فرصة عجيبة للمغامرة واكتشاف اقتدار الذات، واستكناهِ صمت الخطوات الصاعدة.
بعدها تمرّ إلى الحديث عن القمّة والذّات، مُستشهدّة بآيات من القرآن الكريم من سورة النبأ وتستقرّ في مربط الدهشة حيث سرّ الجبال العاتية. هناك، ثمّة جمال ليس كمثله شيء، ثمّة إيقاعٌ ممكن للحياة. مُتأملّة الطبيعة واللوحة الإلهيّة البديعة الخلابة، تُحدّثنا عن احتفاء العالم بالإنسان وبذاتها التائقة للقمم الصافيّة، ومع ذلك تقول: “غمرني الفخر..لكن ما اجتاحني أكثر من ذلك كله كان شعورا عميقا بالصغر. صغر شديد.”(ص41)
تفردُ الفصل الثالث لأشواك كلباء وظلّ السَّمُر المُبارك، وتستهلُّه بتحديد التاريخ وهو صبيحة التاسع عشر من مارس 2020، وقبيل أيام من جائحة الكورونا. توصّف المدينة والمسافة والمشاعر، الطبيعة في جماليتها الآسرة. وتقول: إنّ رحلتها في صبيحة كلباء إلى المنحدرات جعلتْها تكتشفُ أصول اسم “كلباء”. فقد عَلِمَت أَنَّ الاسم مستمدّ من النباتات الشوكية التي تكسو المنطقة والتي يُعرَف محليّا باسم “أم الغيلان”. وقد فهمت خصوصيّة فضاء كلباء الطبيعيّ الذي يتسم بالصلابة والسُّبل الوعرة.
وقد استفادت الكاتبة من تاريخ المنطقة البيئيّ والجغرافيّ والشعبيّ. فهي لا تكفّ عن ذكر أنواع الأشجار، والأزهار وروائح والعادات.
وفي هذه الرحلة الوعرة في جبل كلباء اكتشفت وفرة الأصوات، ربّما هو صوت الأصالة أو صوت الآباء القدامى أو صوت ساحل كلباء.
حينَ تماهت مع طبيعة المنطقة، سمعت صوتًا قادمًا من الأغوار “أخبروهم أنّها هنا…”
وكأنَّ الحجاب كُشف عنّها لوهلة، صدّقت أنّ ثمّة نور أو عوالم لم تعرفها بعدُ ويجب البحث عنها. تتساءل “أيمكن أن تكون ملكةً مدفونةً في ذلك الضريح، روحها تنتظر” (ص57).
وجدت الكاتبة ضريحًا أثناء تجوّلها في جبل كلباء قد صرّحت منذُ الوهلة الأولى أنّها تفحصت الموقع الأثريّ سَابقًا، ولأوَّل مَرَّةٍ ترى هذا الضريح. ومنه، بدأت رحلة الكشف عن سرّ الضريح، وهي المولعة بعلم الأنثروبولوجيّا والمتمكنّة منه بحثا ومعرفة. يتعالق الرمزيّ بالأثريّ بالأسطوريّ والشعريّ والصوفيّ في هذا الموضعِ، لينكشفَ بعدَها أنّها وقفت “على بقايا سرّ قديم، مغطّى بأزمنة من الرمال والصمت، معبد للأفعى من العصر الحديدي، يزيد عمره على ثلاثة آلاف عام، يحتضنه وادي حام في واحة البثنة الغناء، على بُعد 13 كيلومترا شمال غرب مدينة الفجيرة اليوم.”(75)
وقد اكتشفَ هذا الموقع فريق الدكتورة آن بونوآ عالمة الآثار في المركز الوطنيّ الفرنسي، وفيه أكثر من مئة قطعة فخاريّة منقوشة بزخارف أفعوانية وأربعةً وثلاثينِ تمثالا برونزيّا لأفاع.
يسيرُ بنا الكتابُ في سيرة محفوفة بالحيرة والسؤال وبالسرد المحبوك بعناية. فلا يكفُّ عن تأجيج مشاعرنا بالممكن والمحال، فهذا الأسلوب في الكتابة يُراوح بين المرجعيّ والتخيليّ، وبين جمالية المكان وعذوبة الفكرة وبين مُـتعةِ الصعود وخطورة القمّة.
في الفصل الثالث والرابع ثمّة نوافذ وجدانيّة تُفتحُ للروح، حيث يكون الحفر سبيل الكاتبة في العودة إلى البيئة والأجداد والبيت والأصل والأحلام المتكرّرة. وكأنّ اللغة هي بيتها المنسوج من تفاصيل الطفولة والشغف الأول. تتحدث الكاتبة بشفافيّة مُرهفة عن مجلس الأمهات، وعن سلالات الجدّات وعن العادة والتقاليد. تُدافع بشراسة عن صوت النساء، دون أن تُخفي فخرها بجدّها الأكبر الشيخ غانم الشامسيّ.
أمّا بقيّة فصول الكتاب، فهي ثنايا مُتعانقة ومُتباعدة بين تعميق فكرة الأرض والرابطة الروحيّة والتراثيّة بها، وبين الإصغاء إلى الأموات والأحياء في تربة الأسلاف. تحتفي بمليحة وتقول عنها “هي مملكة عتيقة تكتنفها الأساطير والذكريات، وسهل صحراويّ تعلو فيه الكثبان…تقع مليحة على بعد ستين كيلومترا إلى الجنوب من الشارقة في مسقط رأسي، ومع ذلك الدخول في رحابها الفسيحة يشبه الخروج من الزمن.” (ص128)
تشرح بعدها الأبعاد التاريخية لهذا الموقع وتحلل تاريخ امتدادها، وتعودُ في ذلك إلى ما وصل إليه فريق من علماء الآثار بقيادة هانس بيتر أوربمان، وما نشره رفقة سيمون أرمتيج. فضلا عن ذلك، تواصل حديثها عن المليحة وأسرارها اللغويّة والتاريخيّة وطقوس دفنها ومكانتها. بجدّ ومثابرة وتشديد على صون الذاكرة تؤكدُ الكاتبة على الجهود المبذولة لاستكشاف خفايا هذا الموقع السحريّ، وتُشاركنا مُغامرتها الفارقة في البحث عن الملكات الراقدات في صمت مليحة. تُشاركنا اهتمامها بالمنسيّات والملكات العربيات في سرد يشدُّ المُتلقي لمواصلة الحكاية.
في الختام، هذه الورقات لا تكفي لسبر أغوار الكتاب وتفكيك مُضمراته. ومع ذلك، يمكنُ القول: إنَّ هذا الكتاب سيرة للشمسِ، فأخبروها أنَّ الأثر بيتُ أسلافها الأبديّ.
