الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: بدأ العام الهجري الجديد، كل عام وأنتم بخير، العام 1448 لهجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة، بغض النظر عما إذا كانت الأشهر في موقعها الصحيح أم لا، فنحن قد ابتعدنا عن زمن الرسول أكثر من ألف وأربعمائة عام، وعن موته أيضاً، وما زلنا لليوم نلوك بما جرى يوم السقيفة، ومن حضر الموت ومن لم يحضر، وهل وكل الرسول أبا بكر بإمامة الصلاة أم أمّها أبو بكر من تلقاء نفسه، ومدى صحة حديث الكساء من عدمه، نؤلف الكتب ونلقي المحاضرات وكأن ما جرى هو حدث الساعة، وكأن حياتنا من الرفاهية بمكان بحيث لا ينقصها سوى اجترار أحداث قديمة لندخل عليها بعضاً من التشويق. لكن من يرى انعكاس تلك الأحداث على حياتنا اليوم يستطيع تفهم مدى اهتمامنا بها، فجل معاركنا تقوم على أسس طائفية، أو أنها تستند إلى دغدغة الإنتماء الطائفي لتجييش العوام ضد بعضهم البعض. على أنه من الممتع استخلاص…
السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: أصبحنا نعيش في زمنٍ لم تعد فيه الملامح تُرى كما هي، بل كما “تُنتَج” رقميًا. ومنصات التواصل والتطبيقات لم تعد مجرد أدوات للتصوير، بل أصبحت تُعيد تشكيل علاقتنا بوجوهنا، حتى صار الإنسان يقف أمام صورته الحقيقية وكأنه ينظر إلى نسخة “مختلفة” من نفسه. وربما لهذا جاءت فكرة هذا المقال أصلًا؛ فالقصة بدأت عندما قررت — متأخرة جدًا — أن أجرّب أحد “ترندات” السوشال ميديا المنتشرة؛ فيديو بسيط قائم على مقارنة صورتك الحالية بصورة طفولتك، وكأن الحاضر يلتفت إلى ماضيه للحظة. لكن ما حدث كان غريبًا ومثيرًا للتأمل؛ وضعت صورة حديثة لي دون فلتر، إلا أن الصورة التي أظهرها التطبيق جاءت مغايرة تمامًا؛ إذ بدت الوجنتان منحوتتين رقميًا، والملامح مصقولة بطريقة لا تُشبهني. وهنا بدأت أفكر: إلى أي درجة أعادت وسائل التواصل تشكيل إدراكنا البصري؟ ومتى تحوّل الوجه الطبيعي إلى شيء يحتاج تفسيرًا أو “تصحيحًا”؟ إن الفلاتر وتطبيقات الوجوه…
السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: هل لاحظتم مثلي بعض المقالات والنصوص المنشورة التي تحمل نمطًا متكررًا وتوافقًا شبه تام على استخدام مفرداتٍ بعينها، وتراكيب محددة، وصِيَغٍ ثابتةٍ؟ شخصيًا أصبحت أراها إحدى علامات استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد النصّ. والمشكلة لم تعد تتعلق بالاستعانة بهذه التقنية، بقدر ما باتت تكمن في الكسل العقلي - الذي تحدثتُ عنه سابقًا - والذي يظهر أثره في هذه النصوص. قد أجهل آلية عمل الذكاء الاصطناعي بدقة، لكن يقيني أنه ليس ذكيًا بالقدر الكافي الذي يؤهله لإنتاج نصوصٍ تتسم بثراء المفردات وتنوّع التراكيب، والغالب - في ظني - أنه يستخدم الألفاظ والأساليب الأكثر رواجًا بفعل تكرار النشر، لتقديم (منتج) واحد بصياغاتٍ مستنسَخة. والحاصل أن بعض الكتّاب ينساق خلف هذا (المنتج) برضوخٍ تام، يخلو من المراجعة والتمحيص، ناهيك عن تحفيز الذكاء الاصطناعي على الإبداع! والنتيجة أننا بتنا نقف أمام نصوصٍ مُعلّبة تتبع نسقًا هندسيًّا رتيبًا وكأنها سُبِكَت في قالبٍ واحد. الذكاء الاصطناعي واقعٌ لا…
الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦
من أطرف ما سمعته أخيراً في إحدى قنوات الجار العدو محاولة تسويق رواية ساذجة تقول إن مضيق هرمز يحمل اسماً فارسياً، وبالتالي فإن ذلك يشكل دليلاً تاريخياً على ملكية إيران له. من الصعب التعامل مع هذا النوع من الطرح التافه. فلو كانت أسماء الأماكن تمنح حق السيادة المطلقة على الممرات الدولية، لتغيرت خريطة العالم كلها بين ليلة وضحاها. القانون الدولي لا يُبنى على الشعارات ولا على الروايات الدعائية، بل على الاتفاقيات والقواعد التي توافق عليها المجتمع الدولي. الأكثر إثارة للاستغراب هو الغياب شبه الكامل للأمم المتحدة عن هذا المشهد الخطر، وكأن المنظمة الدولية التي يفترض أن تكون الحارس الأول للقانون الدولي دخلت في حالة من السكون المزمن، أو كأننا أمام حفل تأبين طويل لمؤسسة داهمها الهرم. منطقياً وقانونياً، يبقى مضيق هرمز ممراً ملاحياً دولياً مفتوحاً أمام جميع الدول. هذا المبدأ ليس وجهة نظر خليجية أو غربية أو آسيوية، بل قاعدة أساسية من قواعد النظام الدولي الحديث. وأي محاولة لتغيير مفهوم…
الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: من يستطيع أن يتأمل في العلاقات الإنسانية والأسرية والاجتماعية والمهنية، ويتابع الأخبار والأحداث السياسية، يستطيع أن يلاحظ كثيراً من التشابه بين طبيعة العلاقات بين الناس وطبيعة العلاقات بين الدول في مختلف المواقف. أنماط طبيعة البشر تجدها تتكرر وتنعكس في صور أكبر شيئاً فشيئاً؛ في الأفراد، وفي البيوت، وفي أماكن العمل، وفي المدن، ثم في الدولة التي تنتمي إليها أو تعيش فيها. وهذا يفسر نوعاً ما لماذا نختار العيش في مدينة ما أو بلاد معينة، ولماذا نفضل العمل في هذه الوظيفة أو هذا المجال بالذات؛ وذلك لأننا نختار، بوعي أو بدون وعي، النمط الذي يشبه ما في أنفسنا، وما ننسجم معه من أماكن أو علاقات نهتم بها. يقول سيدنا علي بن أبي طالب: “وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر” أي أن العالم الخارجي، بكل ما فيه من سعة وتعقيدات، يشبه العالم الداخلي في أنفسنا بطريقة…
الإثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦
هل فكرت يوماً في حجم الفرص التي خسرتها كرامتك؟ تلك التي ظننت أنك تحميها بصمتك، بينما كنت تغلق بها أبواباً كان يمكن أن تُفتح لك. عندي صديق، رجل نحترمه، يخاف من الطلب كخوفه من الهزيمة. حين يضيق به الحال يغلق على نفسه ويقنع نفسه بأن كرامته محفوظة في صمته. من يعرفه يرى حاجته بوضوح، يغرق في حاجة لم يجرؤ على نطقها. وهناك من رُفض طلبه يوماً فجُرح، فأقسم ألا يطلب ثانية حتى لا يتألم. الصورة التي نحميها بصمتنا لا يراها أحد، والحاجة التي نخفيها يراها كل من يعرفنا حقاً. في ثقافتنا يكبر الفرد على فكرة أن من لا يحتاج إلى أحد هو الإنسان الكامل، وأن حاجتك للآخرين خدش في صورة القوة. نحن لا نرفض الطلب لأننا لسنا بحاجة، بل لأننا نخاف أن يُنظر إلينا كمحتاجين. نستخدم الكبرياء كحصن دفاعي، ونظن أن طلب الدعم سيكشف ضعفنا. نحن لا نحمي كرامتنا، نحمي صورتنا المزيفة. نعيش أحياناً في وهم الشفافية، فنظن أن حاجتنا…
الإثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦
تقوم ولاية الفقيه على فكرة أن الفقيه ينوب عن الإمام الغائب، ويتولى قيادة الناس، وقد رفع الخميني مكانة الولي الفقيه إلى مرتبة جعلت طاعته أساساً للتكاليف الإلهية، ثم حوّلها بعد ثورة 1979 إلى مشروع حكم ونفوذ يسعى إلى بسط سلطة الولي الفقيه خارج حدود إيران، وربط ولاء الشيعة في مختلف الدول بالمرشد الإيراني. وسُخِّرت لهذا المشروع شبكة واسعة من الحوزات، وأصبحت «قم» مركزاً يستقطب آلاف الطلاب الشيعة من مختلف الدول، حيث يقترن التعليم الديني بخطاب أيديولوجي يرتكز على ولاية الفقيه وتصدير الثورة. كما دعّمت إيران عشرات القنوات والمنصات الإعلامية، ووظّفت المناسبات الدينية الكبرى مثل الأربعينية وعاشوراء لتعزيز الولاء العابر للحدود. يؤكد تاريخ الحوزة العلمية في النّجف، منذ انتقال الطّوسي إليها سنة 1056م، أن ولاية الفقيه المُطلقة لم تكن جزءاً من تراثها الفقهي. وعندما وصل الخميني إلى النجف منفياً عام 1965، واجه تحفُّظاً من المراجع الشيعية آنذاك الذين تعاملوا معه بحذر، ورأوا في توجّهاته السياسية والثورية خروجاً على المسار التقليدي للحوزة.…
الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦
في الإمارات، لا يأتي الولاء الصادق للقيادة الحكيمة من باب المجاملة، ولا يُبنى على شعارات عابرة أو مواقف ظرفية، بل ينطلق من إيمان راسخ بالوطن وقادته ورموزه وتاريخه ومسيرته التنموية الفريدة. إنه ولاء من القلب، قوامه الثقة والصدق والمحبة والوفاء بالعهد. ولذلك ظل الولاء في الإمارات قيمة أصيلة ومتجذرة في وجدان المجتمع، انتقلت عبر الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية التي تجمع المواطنين والمقيمين على حد سواء. فمن يعيش على هذه الأرض المباركة، ويختبر ما توفره من أمن واستقرار وعدالة وفرص للحياة الكريمة، يدرك سريعاً أن العلاقة بين القيادة والشعب في الإمارات ليست علاقة تقليدية تقوم على الواجبات الرسمية فقط، بل هي علاقة ثقة متبادلة ومحبة حقيقية وشراكة في صناعة المستقبل. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تمتد مشاعر الولاء والانتماء لتشمل ملايين المقيمين الذين وجدوا في الإمارات وطناً ثانياً ومكاناً يحققون فيه أحلامهم وطموحاتهم. ومن هذا المعنى العميق جاءت المبادرة الوطنية المجتمعية «عهد ووعد» التي أطلقها…
السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست : BRB ... لا أذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها هذا المصطلح! كان غارقًا في بئر النسيان إلى أن أظهره إلى السطح مرةً أخرى، الدكتور عبدالله السفياني - الكاتب والمفكر السعودي - في سياق كلمةٍ له خلال المؤتمر الدولي للغة العربية والذكاء الاصطناعي، والتي دارت حول ما يفعله الذكاء الاصطناعي برؤيتنا للوجود. إلا أنني أذكر جيدًا أنني لم أستسغه يومًا. فأول مرة رأيته أمامي كان مكتوبًا بالحروف العربية، واختلط عليّ الأمر حينها بسبب غياب التشكيل، فقرأته: (بِرَبّ) معتقدةً أنه يتعلق على نحوٍ ما بالله! وغرقت في حيرة آنية، لعجزي عن ربط ما فهمته بسياق المحادثات التي كنت أطالعها! إلى أن اكتشفت أنه لفظٌ مُعَرَّب للاختصار (BRB)، والذي يعني: (Be Right Back) أي (سأعود حالًا). كانت هذه العبارة - كما ذكّرنا الدكتور عبدالله - تستخدم من قِبَل روّاد (الماسنجر) وقنوات المحادثة كإشارة إلى الابتعاد عن الجهاز، لسببٍ ما، ومن…
السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦
اعتقدتْ بعضُ الحضارات القديمة مثل: المايا والأزتيك، وبعض القبائل الاسكندنافية، والحضارات الأسيوية، بأن عليها - لتسترضي البحر الثائر الغاضب، الذي يشح بخيرات صيده - أن تهدي له "فتاة"، بِكرًا جميلة؛ وكانوا يزيِّنون هذه الفكرة للنساء؛ ليرضخن بأنهم يهَبُوا للبحر - مصدر رزْقهم - أغلى وأطهر ما لديهم. لم يقدِّموا للبحر أو الأنهار "فتًى"؛ لأن الفتى (قوة عمل)، ستخرُج للصيد، ومجابَهة الأهوال. هكذا أخرَجوا الموقِف؛ لتتقبَّل المرأة التضحية والموت. لكن خلفية اختيار القربان تعود لكون الفتاة كيانًا غير منتِج، لن تقوم بعمل الرجُل، ولن تقاوم. هل كان للفتاة أن تعترض، وإذا اعترضت؛ هل كان هناك مَن سيستمع إليها؟ الجموع قرَّرت هذا واتفقت عليه. أن تتفق الجموع على قصة أو سردية واحدة، تلك هي أكبر قوة في الحياة، وهذا هو القانون السِّري، الذي شُيدت به الأنظمة الاجتماعية، والأيديولوجيات، وأعتى الإمبراطوريات، فالتاريخ الإنساني لا يخضع للقوة المادية وحدها؛ بل يخضع بالدرجة الأولى للقوة، التي تكتسبها الأفكار…
الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: منذ أيام، نشرت منظمة الصحة العالمية دراسة تشير إلى أن نحو 840 ألف وفاة سنويًا ترتبط بساعات العمل الطويلة والإجهاد المهني. لكن الرقم — على ضخامته — لا يقول كل شيء؛ لأن ما يغيب عن هذه الإحصاءات هو ما يسبقه: ضغطٌ يتراكم بصمت، وتآكلٌ بطيء، وأثرٌ نفسيّ واجتماعيّ لا يُلتقط بسهولة… لكنه يُعاش يوميًا. ولأن ما لا يُرى لا يدخل في الحسابات بسهولة، فإن الخسارة لا تكون إنسانيةً فقط، بل اقتصاديةً أيضًا: إنتاجيةٌ تتآكل، وغيابٌ يتكرّر، واستنزافٌ صامت لا يظهر في التقارير بوضوح… لكنه يترك أثره في كل تفصيلة. ليس ما يلفت الانتباه هو الرقم فقط، بل ما يختبئ خلفه. فنحن لا نسلّط الضوء على من رحلوا فحسب، بل على من ما زالوا هنا… تحت وطأة أثرٍ لا يُرى، لكنه يلازمهم. في العمل، لا يُقاس التعب دائمًا بالساعات، بل بما يبقى منك بعدها. فالأذى النفسي لا يحتاج إلى دليلٍ مرئيّ ليكون حقيقيًا؛ ومع ذلك… لا نصدّقه…
السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست : إذا تجاوزنا الضجيج والادعاءات المحيطة بالمفاوضات، فإن مجرد استمرارها يظل مؤشراً على أن الطرفين يدركان أن كلفة الانهيار أعلى من كلفة التنازل. الأزمة المعلّقة تستنزف الجميع، واستئناف الحرب سيكون مدمراً، فيما لا تبدو إدارة ترمب راغبة في خوض حرب كبرى بلا غطاء سياسي كافٍ، ولا تبدو طهران قادرة على مواصلة النزيف الاقتصادي طويلاً تحت وطأة العقوبات وحرمانها من عوائد النفط، مهما بالغت دعايتها في تصوير العكس. لكن السؤال الأهم: ماذا لو بدا الاتفاق، في شكله الظاهري، قريباً من اتفاق أوباما عام 2015؛ أي اتفاقاً يركّز على الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات؟ هنا تحديداً يجب ألا نقع في فخ المقارنة السطحية. ترمب ليس أوباما، أوباما دخل الاتفاق بوصفه مشروع تسوية تاريخية مع إيران، أما ترمب فيتعامل معه بوصفه صفقة مشروطة بالقوة والضغط والنتائج. الفارق ليس في النصوص وحدها، بل في فلسفة التفاوض: أوباما راهن على دمج إيران، بينما يراهن ترمب على كسر…