الخميس ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: تخيّلتُ شخصًا كان يؤمن أن القرب الحقيقي يعني ألا يخفي شيئًا عمّن يحب؛ يحكي تفاصيل يومه، ويشارك أفكاره ومخاوفه وخططه المستقبلية، ويفتح للآخرين أبواب حياته على مصراعيها دون تردد أو انتقاء. كان يظن أن الصراحة الكاملة هي أكبر دليل على المحبة، وأن المسافات، حين يملؤها الغموض، قد تتحول بصمت إلى حواجز لا تراها العين، لكن تشعر بها القلوب. ومع مرور الوقت، اكتشف أن بعض ما قاله في لحظة ثقة عاد إليه في لحظة خلاف، وأن بعض أسراره أصبحت حديثًا يعرفه من لم يختر يومًا أن يعرفها، وأن بعض أحلامه التي كان يحتفظ بها بحماس خاص فقدت شيئًا من بريقها وخصوصيتها حين أصبحت متاحة للجميع. عندها فقط فهم معنى العبارة: لا تختلط بأكملك مع الناس، احتفظ لنفسك ببعضٍ منك. ليس المقصود هنا أن نعيش بحذرٍ دائم، أو أن نبني بيننا وبين الآخرين جدرانًا عالية، بل أن ندرك أن للإنسان مساحة داخلية…
الخميس ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: يشكّل كتاب سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نظاماً دلالياً، وليس مجرد نص سردي (سردية الفعل/ الحياة)، ويقدّم حِكماً استثنائية نابعة من تجربة حياتية وقيادية طويلة، تظهر نظرته الثاقبة لمن حوله، تستمد عمقها من الممارسة والتجربة الحياتية (سيميائية القيادة)، كأن لسان حاله يقول: "علمتني التجارب في الحياة" لذا لا يقدم الكتاب نظريات مجردة، بل "فلسفة عملية" للحياة والقيادة والخبرة، ولهذا فسموه لا يروي، بل يؤسس، ولا يشرح، بل يولّد المعنى، إنّه يعرض تجارب تسمو بالإنسان بتجليات أكثر تواضعاً وحكمة، وأكثر إدراكاً لرهانات الزمن الذي نعيشه، كل ذلك بأسلوب سلس (سهل/ممتنع). تبدو هذه الرؤى مجتمعة وكأنها خلاصة سنوات من المراقبة العميقة لديناميكيات السلطة والنفس البشرية، فالكاتب -هنا- لا يتحدث فقط بمنطق السياسي، بل بمنطق الفيلسوف والعالم بالنفس وخباياها، والعالم بالوجود ومكنوناته، الذي أتيحت له فرصة فريدة لمراقبة آليات المجتمع من أعلى نقطة مراقبة ممكنة، من هذا الموقع يكتشف أن أخطر التهديدات ليست…
الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦
لم يسبق أن عرفنا عن العلاقات بقدر ما نعرف اليوم. نعرف عن الحدود، والتعلّق، والانسحاب، والاحتواء، والذكاء العاطفي، والعلاقات السامة، والرايات الحمراء والخضراء. نقرأ، ونستمع، ونحلّل، ونصنّف الأشخاص والمواقف، حتى أصبح لدى الكثير منا قاموس كامل يشرح له كيف يجب أن تكون العلاقة. لكن السؤال الأهم: هل أصبحنا فعلًا أفضل في عيش العلاقات؟ المفارقة أن الوعي ازداد، بينما البساطة في العلاقات تراجعت. صرنا ندخل بعض العلاقات ونحن نحمل قائمة طويلة من الشروط والتوقعات والمخاوف والتحليلات. نراقب الكلمة، ونفسّر الصمت، ونقيس الاهتمام، ونختبر النوايا، ونبحث عن الإشارات… حتى أصبحنا أحيانًا نفكر في العلاقة أكثر مما نعيشها. ولا يعني ذلك أن الوعي خطأ. على العكس، الوعي ضرورة تحمينا من الأذى، وتساعدنا على فهم أنفسنا والآخرين. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الوعي من بوصلة تقود العلاقة إلى مجهر نفحص من خلاله كل تفصيل فيها. فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالنظريات وحدها. تُبنى بالصدق، والرحمة، والاحترام، والتجاوز، وحسن الظن، والقدرة على الاعتذار، وعلى أن نقبل…
الإثنين ٠٥ أكتوبر ٢٠٢٦
كنت أقدّم عرضاً لمشروع في إحدى المؤسسات، ولاحظت أثناء النقاش وجود خبير أجنبي يشارك برأيه. استوقفني الأمر، لأن المسألة لم تكن تحتاج، في تقديري، إلى هذا القدر من الاستعانة بخبير خارجي. بعد الاجتماع تحدثت مع صديق يعمل في الإدارة، فقال إن بعض أصحاب الخبرة المواطنين، رغم سنوات العمل الطويلة، لا يظهرون دائماً الجدية أو الكفاءة التي تتطلبها بعض المؤسسات. بقي كلامه معي. وربما كان محقّاً جزئياً؛ فسنوات العمل الطويلة لا تعني تلقائياً الكفاءة. قد يملك شخص ثلاثين سنة خبرة في سجله، لكنه لم يطور نفسه فعلياً، فتكون خبرته تكراراً لعام واحد امتد ثلاثة عقود. لكن التفسير لم يكن كافياً بالنسبة لي؛ فإذا كان تهميش الخبير المحلي سببه تقادم أدواته أو تقدمه في العمر، فلماذا نجد أحياناً خبيراً أجنبياً في العمر نفسه، وربما أكبر منه، يحظى بالتقدير والاستشارة؟ ربما كنت أسأل السؤال الخطأ. ليس: من هو الخبير الأفضل؟ بل: الأفضل في ماذا؟ فالخبير لا يكون خبيراً في كل شيء. قد يعرف…
الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: استوقفني خبر غير اعتيادي عن رفع موظف في فرنسا يعمل بشركة للعطور قضيةً على شركته، بدعوى أن وظيفته كانت مملة جداً وتسببت له في أزمة نفسية، والغريب أن الخبر يقول إنه حصل بالفعل على تعويض مالي يعادل 45 ألف دولار. يشغلني موضوع الملل منذ مدة، للحد الذي دفعني لكتابة قصة قصيرة هو عنوانها، والمدهش أن هذه القصة بالذات لاقت اهتماماً واستحساناً من هذا الجيل الذي يكاد لا يخلو يوم من أيامه من تبرم واضح وصريح، عنوانه الرئيس الملل، بكل تعابيره ومفرداته وآثاره التي يتركها على الوجوه. أليست مفارقة عجيبة؟ هذا الجيل الذي يتمتع بمستويات عالية جداً من وسائل الرفاهية والترفيه، بألعابه وأجهزته، بل ومدن ملاهيه ذات المواصفات العالمية، والتي لا غاية لها سوى الترفيه ودفع الملل بعيداً، ناهيك عن كل الأسفار والرحلات والبرامج والأنشطة ومراكز التسوق والمهرجانات... إلخ، التي حظي بها هذا الجيل دون غيره. نحن، على خلاف ذلك، ننتمي إلى أجيال ما كان لمفردة «ملل»…
الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ربما يكون السؤال الأخطر في حادثة طائرة فلاي دبي ليس كيف حاول مساعد الطيار السيطرة على الطائرة، بل كيف يمكن لفكرة متطرفة أن تصل إلى قمرة القيادة أصلاً؟ بحسب ما أعلنته النيابة العامة الإماراتية، كشفت التحقيقات أن مساعد الطيار حاول تنفيذ عمل إرهابي، فاعتدى على قائد الطائرة بفأس الطوارئ وحاول السيطرة على أجهزة القيادة. أما الدوافع والارتباطات المحتملة فلا تزال موضع تحقيق، ولذلك سيكون من الخطأ استباق نتائجه أو بناء رواية تتجاوز ما ثبت حتى الآن. لكن ما ثبت يكفي لإعادة طرح سؤال أوسع بكثير من أمن الطيران: هل يمكن الانتصار على الإرهاب إذا حاربنا الإرهابي وتركنا الفكرة التي تصنعه؟ لسنوات طويلة، تعامل العالم مع الإرهاب باعتباره مشكلة أمنية في المقام الأول. أجهزة استخبارات، قوائم مراقبة، تفتيش في المطارات، ملاحقة للتمويل، وضربات عسكرية ضد التنظيمات. كل ذلك ضروري، لكنه يعالج غالباً المرحلة الأخيرة من المشكلة: اللحظة التي ينتقل فيها صاحب الفكر المتطرف إلى الفعل. المشكلة تبدأ…
السبت ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: هل التخصص هو المعيار فعلًا، أم أنه يُستدعى انتقائيًا لرفض الرأي المخالف؟ في سياق تجديد الفكر الإسلامي فإن "التخصّص" ليس دائمًا حجةً صادقة. هذا ما خلصتُ إليه بعد سنواتٍ من متابعة ردود الفعل الحادة أمام كل طرحٍ دينيٍّ مختلف. فالواقع - حسب متابعتي - أن التخصّص ليس هو المعيار الحقيقي لدى كثيرٍ ممن يقاومون تجديد الفكر الإسلامي، ولا يُقام له الوزن نفسه في كل الأحوال، فما إن يهزّ المتحدث مسلّماتهم الفكرية، ويزعزع يقينهم بالمألوف، وينتهي إلى نتيجةٍ لا يريدونها، حتى يصبح "التخصّص" موضع السؤال. على امتداد عقودٍ، وفي أكثر من بلدٍ وسياق، كان كثيرٌ ممن يطرحون قراءةً نقديةً، أو تأويلًا مغايرًا، أو رؤيةً تنويريةً تستحق التمعّن، يُعَدّون "رويبضة" في نظر العقول الرافضة للمراجعة، حتى لو كانوا حاصلين على أعلى الشهادات الشرعية المتخصّصة، وحتى لو كانوا أبناء المؤسسة الدينية الرسمية، بل حتى لو كان أحدهم على رأس الإفتاء في بلده. هذه الفئة لا تناقش الأفكار التجديدية المطروحة،…
الجمعة ٠٢ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: يقول الكاتب والناقد الإنجليزي الشهير صامويل جونسون: "عندما يتعب المرء من لندن، فهذا يعني أنه قد تعب من الحياة؛ ففي لندن يوجد كل ما يمكن للحياة أن تقدمه." سُئلت كثيراً عن شغفي وإصراري على العودة إلى لندن، رغم المغريات الكثيرة في نواح أخرى من العالم، وكان الجواب دائما : الألفة والحنين ، قد لا تبدو المدينة براقة في عيون كثيرين، لكنها تظل مثيرة لمن يزورها للمرة الاولى، وربما اكثر إثارة لمن يعود إليها فيجدها لا تزال تحرك النفس وتوقظ الشجن.، ثمة انجذاب عاطفي وشعور لا متناهٍ في سبر غور هذه المدينة التي تبدو للوهلة الأولى كأنها لا تحوي شيئاً، وفي الوقت ذاته تحتضن العالم بأسره، بثقافاته، وجوهه، أسواقه، مدنه، بشره، تناقضاته، وحتى روايات غموضه. إنها تمتع الرائي حين يشد الرحال إليها بذاك الشعور الذي يصعب وصفه، سوى القول: إنها تجذبني لسحر يمزج الحب بغرابة المكان. مصدر هذا الشعور المتجدد كان كتاباً أُهدي إليَّ باسم صيف لندن…
الخميس ٠١ أكتوبر ٢٠٢٦
فرضت الحرب الأميركية الإيرانية نفسها على اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدّد إيران وأبقى التفاوض مفتوحاً، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعا إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. وتزامن ذلك مع اجتماع ترامب بقادة ومسؤولين من دول خليجية وعربية وإسلامية، واستمرار الاتصالات مع طهران عبر الوسطاء. ويؤكد الاجتماع أهمية مشاركة دول الخليج في صياغة أي اتفاق يمسُّ أمنها ومصالحها. ما بعد نيويورك أصبح مرحلة لبلورة شروط وتوافقات تُحدّد شكل التسوية التي يمكن أن تنهي الحرب. أعادت واشنطن البرنامج النووي إلى مقدمة أولوياتها، في مناورة تُركّز المفاوضات على أصل المواجهة، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائج الحرب. أما طهران فتدفع باتجاه مسار مختلف، يبدأ برفع الحصار والعقوبات واستعادة صادراتها مقابل فتح مضيق هرمز. بذلك تحصل إيران على مكاسب فورية وتؤجّل البحث في أكثر القضايا حساسية، من برنامجها النووي إلى قدراتها الصاروخية. تتعامل دول الخليج مع إيران وفق حسابات متعددة. فالمصالح التجارية وعلاقات الجوار لا تلغي…
الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
عندما تشاهد مسلسل «ذا تيودورز»، لا تستوقفُك مؤامرات بلاط هنري الثامن وزيجاته وإعداماته فحسب، فخلف الدراما صراعٌ أكبر: من يملكُ السلطةَ الدينية؟ من يملكُ حقَ تفسيرِ النَّصِ المقدَّس؟ وماذا يحدثُ حين يصبحُ التشكيكُ في السلطةِ الدينية القائمةِ ضرباً من الخيانة؟ أسئلةٌ تبدو معاصرةً على نحوٍ لافت. قبل خمسمئةِ عامٍ، كانت أوروبا تخوضُ جدالاً يشبه كثيراً ما نعيشه اليوم. دعاةُ الإصلاحِ يُتهمون بتقويضِ الدين، والمحافظون يخشون أن تفتحَ إعادةُ التفسير باباً لانهيار المنظومة كلِّها. آنذاك استخدم الحكامُ الدينَ لتعزيزِ سلطتِهم، وسعت المؤسساتُ الدينية إلى التأثيرِ في القرارِ السياسي. مُنعت الكتبُ، واضطُهد المفكرون، وكان الاختلاف حولَ تفسيرِ الدين قد يكلّف الإنسانَ حريتَه أو حياتَه. تاريخياً، لم يكن انفصالُ هنري الثامن عن روما بداية العلمانية الحديثة. فهو لم يفصلْ الدينَ عن الدولة، بل نقلَ السلطةَ العليا على الكنيسة من البابا إلى التاج. لكن شيئاً أكبر كان يحدثُ في أنحاءِ أوروبا: تحدى الإصلاح الديني احتكارَ مؤسسةٍ واحدة لتفسيرِ الدين وممارسة السلطة باسمه. سرّعت الطباعةُ…
الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
تكشف قراءة المشاركة العربية في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عن تحوّل يستحق التوقف عنده. فالمشهد لم يعد محصوراً بحضور عربي للدفاع عن قضايا المنطقة أو التعامل مع أزماتها، بل بدأت تتشكل ملامح دور أوسع، تسعى من خلاله دول عربية إلى أن تكون شريكاً في صوغ الإجابات عن الأسئلة التي تشغل العالم. صحيح أن فلسطين وغزة والسودان واليمن والأمن الإقليمي ظلت في قلب التحركات العربية، إلا أن الأجندات التي حملتها دول عدة تجاوزت الجغرافيا السياسية للمنطقة إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة والمناخ والمياه والتنمية والاقتصاد وإصلاح المؤسسات الدولية والعمل الإنساني. عندما نتحدث عن الدلالة الاستراتيجية، فالإمارات على سبيل المثال قدمت أجندة متعددة المسار، من تسوية النزاعات والاستقرار والتعايش إلى تطوير منظومة الأمم المتحدة والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، ومن المناخ والأمن المائي إلى الاقتصاد والاستثمار وسلاسل الإمداد. وربط ذلك باستحقاقات دولية مقبلة، بينها مؤتمر الأمم المتحدة للمياه الذي تستضيفه. هذا النموذج يعكس توجهاً نحو بناء حضور يقوم على…
علي عبيدكاتب وإعلامي من دولة الإمارات العربية المتحدة
الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله.. قرأت رسائلكم التي جمعتموها في كتاب الرسائل، ووجهتموها إلى إخوانكم، وأبنائكم، وفريق عملكم، وأبناء وطنكم.. قرأتها بقلب مواطن وجد فيها صفحات من سيرة وطن، وخلاصة تجربة قائد عاش بين مسؤولية الحكم ودفء الأسرة، وبين صرامة القرار ورقة الوفاء. الرسالة في كتابكم، ليست مجرد كلمات تُكتب إلى شخص ثم تنتهي عنده، وإنما ذاكرة تترك للأجيال، وشهادة إنسانية على زمن عاشته دبي والإمارات، بما فيه من تحديات وطموحات وتحولات، ولهذا شعرت وأنا أقرأها أنني لا أقرأ رسائل إلى الآخرين فقط، وإنما أقرأ شيئاً من حياتنا وذاكرتنا. حين كتبتم إلى أخيكم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خاطبتم أخاً، ورفيق مسيرة، وشريكاً في حمل الأمانة.. وفي هذه الأخوة نرى امتداداً للثقة التي جمعت الراحلين الشيخ زايد والشيخ راشد، طيب الله ثراهما.. وما يُطمئن أبناء الإمارات أن وطنهم يقوده…