السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: "الغرس المثمر، والغرس الذي يحتاج إلى عناية واهتمام، هو غرس البشر، فغرس البشر والحمد لله قد غُرِس، وقد استقل الكثير منه، والباقي هو على وشك الاستقلال وعلى وشك الحصاد" الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه. منذ بداية تأسيس دولة الإمارات، كان الإنسان هو اللّبِنة التي أراد أبونا زايد ترسيخها لبناء هذا الوطن، والأساس الذي أراد أن تقوم الدولة على ساعدَيه. لقد أدرك أن "بناء الإنسان" هو المبتدأ والمنتهى، وكان يعي برؤيته الثاقبة أن العمران والموارد المادية - مهما بلغت قيمتها - تظلّ عاجزةً عن الصمود والتطور ما لم تستند إلى عقولٍ واعيةٍ وهممٍ وطنيةٍ قادرةٍ على النهوض والابتكار. وما كان لهذه اللّبِنة أن تُقيم هذا الصرح العظيم دون إيمانٍ عميقٍ بابنته يماثل إيمانه بابنه، وثقةٍ في طاقاتها وقدراتها التي تمكّنها من صُنع أثرٍ فارقٍ في بنيانه. "أملي في اليوم الذي أرى فيه الطبيبة والمهندسة والدبلوماسية بين فتيات الإمارات"…
الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في قلب كل إنسان موطن يلوذ به، وفي أعماق كل مغترب أو مواطن حكاية عشق لا تنتهي لتراب يراه أطهر الثرى. الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية نحددها على الخارطة، بل هو الغطاء والملجأ، هو الحضن الدافئ الذي نركض إليه كلما قست علينا الأيام، تماماً كالأم التي لا تبدل حبها الأيام ولا تغير قلبها السنون. الوطن هو الأم ، في تفاصيله ملامحها، وفي أمانه حنانها. هو الأرض التي نبتت فيها جذورنا، والماء الذي ارتوت منه أحلامنا. عندما نولد، تولد معنا بالفطرة تلك الرابطة الخفية التي تجعلنا ننتمي لتراب الوطن كما ننتمي لرحم الأم. وكما تبذل الأم عمرها لترى أبناءها في قمة مجدهم، يظل الوطن يفتح ذراعيه ليحتوي طموحاتنا، ويهدهد مخاوفنا، ويمنحنا الهوية التي نفاخر بها بين الأمم. حين يتجسد الوطن في أرض الإمارات، يتحول الحب من شعور فِطري إلى حالة عشق استثنائية. فالإمارات ليست مجرد دولة عصرية ناطحت السحاب،…
الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦
لم يعد نجاح الإعلام في العصر الحديث يقاس بعدد الأخبار المنشورة أو حجم الإنفاق الإعلامي، بل بقدرته على بناء سردية مقنعة تترسخ في أذهان الجمهور. فالإعلام ينتصر عندما يكسب الثقة ويمنح الأحداث معنى ويحوّل الإنجازات إلى قصص ملهمة تتجاوز حدود المكان والزمان. ولهذا، قد يحقق مشروع تنموي محدود التكلفة انتشاراً عالمياً يفوق مشروعاً آخر بمليارات الدولارات، لأن الأول امتلك قصة مؤثرة بينما اكتفى الثاني بعرض الأرقام. تدرك الدول الكبرى أن الإعلام لم يعد أداة لنقل الخبر، بل أصبح جزءاً من منظومة القوة الوطنية، يسهم في بناء السمعة وتعزيز الثقة وجذب الاستثمار ودعم السياحة وترسيخ النفوذ السياسي والثقافي. لذلك، لا تترك الدول مشاريعها الاستراتيجية من دون رواية إعلامية، بل تحيطها بخطط اتصال تبدأ قبل الإعلان عنها وتستمر خلال التنفيذ ولا تنتهي عند الافتتاح. وعندما تتعرض الدول لحملات إعلامية معادية، فإن المواجهة لا تكون بالردود المتأخرة أو البيانات التقليدية بل ببناء سردية قوية قائمة…
الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليست كل الرسائل تُكتب بالحروف، فبعضها يُبنى بالحجر، ويُصاغ بالضوء، ويُخلّد في الذاكرة الإنسانية. هكذا يقف جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي، ليس مجرد صرح معماري استثنائي، بل رسالة إماراتية مفتوحة إلى العالم، لا تحتاج إلى ترجمة، لأنها تخاطب الإنسان بلغته الأولى، لغة الجمال، والسلام، والتسامح. منذ أن فتح أبوابه، لم يكن الجامع مكاناً للعبادة فحسب، بل أصبح مساحة يلتقي فيها الشرق والغرب، ويقف فيها الإنسان أمام عظمة الفن الإسلامي وقيمه الروحية بعيداً عن أي حواجز ثقافية أو دينية. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يتحول إلى محطة رئيسية لرؤساء الدول، والملوك، والدبلوماسيين، والمفكرين، والفنانين، والمشاهير، والمؤثرين من مختلف أنحاء العالم، الذين وجدوا فيه أكثر من معلم سياحي، وجدوا رسالة حضارية متكاملة. عندما يسير الزائر بين أروقته، أو يتأمل قبابه البيضاء التي تعانق السماء، أو ينظر إلى انعكاس الضوء على الرخام الناصع في ساحاته الواسعة، يدرك أن المكان صُمم ليبعث الطمأنينة…
الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦
أحد المفارقات التي لا أكف عن التأمل فيها هي أن هوميروس، صاحب الأوديسة، يُقال إنه كان أعمى! يصعب استيعاب أن عملاً امتلأ بكل هذا الاتساع البصري؛ بالبحار والجزر والوحوش والعواصف والآلهة، خرج من مخيلة رجل لا يرى! لعلها تذكير بأن الخيال لا يحتاج إلى بصر بقدر حاجته إلى بصيرة، وأن أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة قد تولد في العتمة. بالرغم من أن مصادر تاريخية عديدة تشكك في أن يكون هوميروس ذاته شخصية حقيقية فستبقى الإلياذة والأوديسة أهم ملحمة شعرية في تاريخ الأدب الإغريقي. ورغم الفارق الزمني والجغرافي الشاسع، كثيراً ما تُقارن الأوديسة بـألف ليلة وليلة، لما يجمعهما من الرحلات والعجائب والبحار وتداخل الواقع بالأسطورة. لكنني لا أميل إلى فكرة أن الأخيرة استُلهمت من الأولى، لكل منهما تربتها الثقافية، ومنطقها السردي، وعوالمها الغرائبية الخاصة.. وإذا تشابهت الأعمال الكبرى، فربما لأن الإنسان، باختلاف الأزمنة والحضارات، ظل مفتوناً بالسردية ذاتها: الرحلة، والغيبيات، والخوف، والنجاة، والحنين والعودة إلى الديار. …
الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦
فرضت الحرب على دول الخليج مراجعة سريعة لأولوياتها الأمنية والسياسية. وكان النظام الإيراني يعول على توزيع الضغوط العسكرية لإضعاف الموقف الخليجي عبر التعامل مع كل دولة بصورة منفصلة. لكن مجريات الأحداث دفعت في اتجاه مختلف، إذ برز الأمن الجماعي مرجعية للقرار، وتراجعت التباينات السياسية في بعض الملفات الإقليمية أمام التهديد المشترك. وجاءت النتيجة معاكسة لما سعت إليه طهران. فمن الطبيعي أن تختلف الدول في تقدير الملفات أو في ترتيب أولوياتها، غير أن حماية الأمن الوطني، والممرات البحرية، واستقرار الاقتصاد الإقليمي، تضع المصالح المشتركة في صدارة القرار، وتؤكد أن أمن الخليج وحدة استراتيجية لا تقبل التجزئة. وانعكس ذلك على المشهد الإعلامي. وتراجعت سردية روجت لتضخيم أي تباين بين دول الخليج، وتقديمه باعتباره بداية لانقسام دائم. وخلال الأشهر الماضية، امتلأت المنصات بتسريبات وتحليلات مجهولة المصدر حاولت رسم صورة لتحالفات تتفكك وعلاقات تتجه نحو القطيعة. غير أن الوقائع نسفت تلك السرديات، وأكدت أن العلاقات الاستراتيجية تقاس…
الأحد ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليست هذه قراءة نقدية لفيلم الأوديسة للمخرج كريستوفر نولان، بقدر ما هي تأمل في الكيفية التي لا تزال بها ملحمة كُتبت قبل ما يقارب ثلاثة آلاف عام قادرة على مخاطبة جمهور اليوم، ولماذا استطاعت، رغم امتدادها إلى نحو مئة وستين دقيقة، أن تستحوذ على انتباه جمهور شاب حتى اللحظة الأخيرة. ففي زمن أصبحت فيه القدرة على التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة، لا سيما لدى الأجيال التي نشأت في ظل منصات البث، ومقاطع الفيديو القصيرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، يحقق الفيلم إنجازاً نادراً؛ إذ يعيد هوميروس إلى الحاضر، ويمنحه لغةً يفهمها الجيل الجديد دون أن ينتقص من جلال النص الأصلي. ويكمن جانب مهم من هذا النجاح في السيناريو نفسه. فعلى خلاف كثير من الاقتباسات السينمائية للأعمال التاريخية والكلاسيكية التي تلجأ إلى لغة إنجليزية بريطانية قديمة، فتخلق مسافة غير ضرورية بين النص والمتلقي الشاب، يختار الأوديسة لغة معاصرة وسلسة، تحافظ في الوقت نفسه على العمق…
الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: استعداء الدول والشعوب ليس من الوطنية في شيء! فالترصّد لكل كلمةٍ ولكل منشورٍ، وتحويره للوصول إلى استنتاجٍ مسبّقٍ في ذهن صاحبه، ليس فطنةً ولا ذكاءً. نعم، هناك كارهون ومضلِّلون وخبثاء، لكن البعض يصل به الأمر إلى مرحلةٍ سامةٍ من التوجّس والوهم. ومنصاتُ التواصل الاجتماعي بيئةٌ خصبةٌ لمثل هذا السلوك! فالمُشاهَد أن البعض غارقٌ في حالةٍ من السخط المستمر وتخوين الآخرين، مما يُفقد الخطاب العام عقلانيته، فيغدو عبئًا على المجتمع بدلًا من أن يكون حائط صدٍّ له. إن الوعي الفكري الناضج يعني الفهم العميق للواقع والتحديات، مع الحفاظ على الاتزان النفسي والعقلاني. أما تحويل كل كلمةٍ أو موقفٍ عابرٍ إلى "مؤامرةٍ" ونيّةٍ مبيّتةٍ للإساءة، فهو هدرٌ للطاقات، واستنزافٌ للجهد الوطني في جبهاتٍ وهميةٍ لا طائل منها. يحدث هذا عندما يدخل الشخص إلى منصات التواصل بحكمٍ مسبَقٍ مفاده "أنه مستهدَفٌ وأن الآخر عدوٌّ بشكلٍ أو بآخر"، مما يجعله فريسةً سهلةً للانحياز التأكيدي، وما يرافقه من حساسيةٍ…
الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦
في النفس البشرية قاعاتٌ كبرَى وكهوف ودهاليزُ لا تهدمها الزلازل الفجائية؛ بل تنحتها برودة الأيام والسنوات، وتصهرها الآلام أو الشعور بالظلم؛ فكل الأشياء العظيمة التي نظنها أبدية، وكل الروابط التي نحسبها أُسِّستْ على صخرة الاستمرارية، لتَظَل معنا طيلة الحياة، إنما هي في حقيقتها كائنات حيَّة رقيقة، تتغذَّى على قِيَم الحُب والاحترام والعطاءات، وتتنفس في فضاء التقدير، والابتعاد عن الأنانية، وتذبُل شيئًا فشيئًا حين تُقابَل بسوء المعامَلة وجفاف المشاعر. فالإنسان بطبيعته يلتقط مشاعرَ مَن حوله، ويمتلك رادارًا داخليًّا دقيقًا، يقيس به مسافة الأمان الوجداني؛ وحين يكتشِف أنه يُستنزَف، أو أن وجودَه يُقابَل بالاستخفاف، أو تعمُّد الأذى الموجَّه إليه، تبدأ روحه في الانكماش الهادئ، ويمد المسافاتِ بينه وبين الآخَر؛ لينتصر فيها لكرامته وإنسانيته، ويطوِّع ذاتَه على الانسحاب من ساحة المعركة، محمَّلًا بخساراته الداخلية الصاخبة، التي تزلزِل كيانه، يبتعد ليتحرَّى الحفاظ على ماء وجْهه؛ لتقبُّل خسارة أبدية لا رجْعة فيها. 1ــ حتى "الأمومة" - أعظم العواطف وأنقاها - تتوارَى …
الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: وقفتُ عند لافتة "ممشى السعديات" أقرأ الاسم أكثر من مرة، وأتساءل: لماذا يستوقفني حرف عربي بسيط في مكان يستقبل زواراً من كل أنحاء العالم؟ ثم أدركت أن السؤال نفسه هو الإجابة. فمن ممشى السعديات إلى منارتها، ومن دار الفنون إلى مراسيها، اختارت الجزيرة أن تتحدث بلغتها، لا أن تستعير لغة غيرها لتبدو عالمية. تسمية المرافق العامة قد تبدو للبعض تفصيلاً شكلياً، لكنها في الحقيقة قرار ثقافي. فالاسم يحمل ذاكرة ورسالة، وهو جزء من الشخصية التي تريد المدينة أن تقدمها لسكانها وزوارها. ولم يكن اختيار هذه الأسماء العربية عفوياً، بل يعكس وعياً بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء للهوية والانتماء. واللافت أن هذا الحضور العربي لا يأتي في مشروع محلي منغلق، بل في قلب واحدة من أكثر الوجهات الثقافية العالمية انفتاحاً. فالجزيرة تحتضن متحف اللوفر أبوظبي، وتستعد لاحتضان جوجنهايم أبوظبي، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تبقى أسماء ساحاتها وممشاها ومنارتها عربية بامتياز. وكأن أبوظبي…
الأربعاء ٢٩ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: الأصدقاء الافتراضيون ليسوا أولئك الذين التقيناهم خلف الشاشات فحسب، بل هم أحيانًا أصدقاؤنا الحقيقيون؛ أولئك الذين تقاسمنا معهم الأيام، والمقاعد، والحكايات فعلًا، ثم اختُزلوا بفعل الزمن والمسافات، وضمن شبكة من الخيارات اليومية المتراكمة، في مجرد “وجود رقمي” باهت. التكنولوجيا هنا لم تكن وحدها الفاعل، بل غدت الملاذ السهل الذي يُلجأ إليه طواعيةً للاكتفاء بالحد الأدنى من الاستثمار العاطفي المتبادل. الأصدقاء الذين حفظنا نبرات أصواتهم، وضبطنا إيقاع ضحكاتهم، وقرأنا ملامحهم في تعبهم وفرحهم، أصبحنا نقتفي أثرهم اليوم عبر “الستوري”، بقرار كسلٍ عام وغير مكتوب. نطمئن عليهم بلمحة من صورة، أو تحديث عابر، دون حديث حقيقي، ودون ذلك الدفء القديم الذي كان ينبض في العلاقة ليجعلها حيّة؛ وكأن الجميع ارتضى هذه الهدنة الباردة، واختار ترشيد طاقة المبادرة. المفارقة أن وسائل التواصل لم تُلغِ الآخرين من حياتنا، بل وفّرت الغطاء والمبرر ليغادروها جزئيًا، أو لنغادرها نحن. علقنا جميعًا في ذلك البرزخ الرمادي؛ حضور خفيف يشبه الظل، موجودون بما يكفي…
الأربعاء ٢٩ يوليو ٢٠٢٦
لطالما نظرت بفضول يشوبه حزن إلى المقتنيات التي يتخلى عنها أصحابها ويلقون بها خارجاً وكأنها قمامة. وباستمرار تنتابني رغبة في التقاط تلك الأشياء.. والاعتذار منها! كنتُ أُحْرَجُ من ميلي الغريب هذا، ولكن مع الوقت أدركت معنى لمشاعري وفهمت دوافعها، وتوقفت عن الشعور بالخجل الذي يجب أن يكون شعور أولئك الذين يتخلصون من أشيائهم بهذه السهولة! نتعامل مع أشيائنا وكأننا يجب أن نكون أقوى وأكثر أهمية وأطول عمراً منها، بينما الواقع يؤكد باستمرار أن الأشياء تمتلك سيرة أطول من سيرة أصحابها، وهي ميزة تجعلها أبقى! وما نراه في المتاحف ما هو إلا تأكيدٌ لذلك. لقد بدأت سيرتها منذ زمن طويل قبل لحظة امتلاكنا لها، ولا تنتهي بمجرد انقضاء أهميتها بالنسبة لنا. قد تكون وظيفتها انتهت لدينا -كما نعتقد- لكن قيمتها ستبقى للأبد، تلك القيمة التي تجعل لها وظيفة أخرى لنا أو لغيرنا.. وهكذا للأبد! ألا تستحق هذه الأشياء أن نتأملها بعين مختلفة! فلنحاول الإنصات إلى ما تقوله عن ماضيها، وعن الحياة…