الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: تخيلوا معي طالباً يسأل أستاذه: لماذا نصبتَ كلمة (زيداً) في قولك: إنَّ زيداً قائمٌ؟ فيجيبه الأستاذ: لأنها اسم (إنَّ)، وإنَّ وأخواتها تنصب الاسم وترفع الخبر كما تقرره قواعد النحو العربي، ثم يطرح الطالب السؤال نفسه على أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيحصل خلال ثوانٍ على الإعراب، والقاعدة، والأمثلة، والتدريبات، -هنا- يبرز سؤال منطقي: حين تغدو الآلة قادرة على تقديم القاعدة والإعراب والشرح، فما الذي بقي لك يا معلم النحو؟ الإجابة -في نظري- ليست في الاستغناء عن المعلم، ولا في التسليم المطلق للآلة، وإنما في الانتقال من تعليم النحو المعتمد على مجموعة من الأحكام الجاهزة إلى تعليمه ليشكل نظاماً للتفكير والتحليل والتفسير والاستدلال وإعمال الذهن بطرائق إبداعية، فالذكاء الاصطناعي ربما يخبرنا أن الكلمة منصوبة أو مرفوعة أو مجرورة، لكنه لا يضمن أن المتعلم قادر على التعليل أو فهم السياقات المختلفة، أو أنه أدرك اختلاف النحاة، أو استوعب العلاقة بين التركيب والمعنى، ومن -هنا- فإنه ينبغي في تعليمنا النحو أن نركز على نقل المتعلم من الاهتمام بحفظ القاعدة إلى متعلمٍ يناقشها ويختبرها ويكتشف حدودها، ليجمع بين التنظير والممارسة الهادفة إلى التعلم. تتجلى الأزمة الحقيقية إذن في الفجوة بين (معرفة القاعدة)، و(القدرة على توظيفها)، فالطالب-مثلاً- يتلقى القاعدة في صورة مجردة، يعرف أن (نائب الفاعل مرفوع) و(المفعول…
الإثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: تعد رسالة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نصاً خطابيّاً مفتوحاً يجمع بين السرد والاستنهاض، ويتأسس على لغة وجدانيّة عميقة الأبعاد، تتخللها مفردات الهويّة والانتماء والتاريخ والجغرافيا، والسياق هو اللحظة الخليجيّة الراهنة بكل ما تحمله من إنجازات تنمويّة وتحديّات إعلاميّة وسياسيّة، وما تفرضه من أسئلة حول مستقبل التكامل الخليجي، مما يمنح الرسالة طابعاً فورياً وعلنياً. وتنطوي هذه الرسالة على خطاب وجداني ذي نبرة عالية ، يتجاوز الوصفَ العابر إلى إنشاء ميثاق رمزي ممتد في الزمان والمكان والدم والقربى، وتتجلَّى قوّتها في مستويات متشابكة من البناء والبلاغة والدلالة، فمن حيث البنية قامت عبارات سموه على تواز تركيبي محكم، حيث يقف النصُّ موقفَ الحاضر الثابت الذي لا يحتاج إلى إنشاء، وكأنَّ الرسالة قائمة بذاتها، حاضرةٌ لا يُنشئها فعل ولا يحدُّها زمن، أما من حيث التصعيد الدلالي: فتنتقل العبارة من الحلم الذي يشكل المستقبلَ والطموحَ الداخلي، إلى التاريخ بعمقه وجذوره الضاربة في الامتداد، ثم إلى الجغرافيا بوصفها المكانَ والامتداد، ثم إلى الأنساب التي تمثل الدمَ والأصل، ثم إلى القرابة بوصفها الوشائجَ الاجتماعيةَ الراسخة، فكأنَّ سموه يرسم دائرةً لا يُفلت منها طرف، ويُحيط العلاقة بكل أبعادها الزمانية والمكانية والبيولوجية والاجتماعية، كما لا يترك لانفصالٍ ثغرةً، ولا لانقطاع سبيلاً، أما من حيث الصفات: فجاءت غالب صيغها…
الإثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قدمت اللغة العربية عبر تاريخها الطويل جهوداً فاعلة في نقل المعرفة وتكوين الوعي الحضاري، وشكّلت وسيطاً معرفياً لتداول العلوم والفلسفة والدين ومختلف الثقافات، وأسهمت في بناء نسق فكري تفاعلي بين الإنسان ومحيطه، كما أن بنيتها العميقة مكّنتها من التكيّف مع المتغيّرات الثقافية والتاريخية، والاستمرار في أداء وظيفتها التكوينية في بناء الذات العربية، ولهذا فإنه"كلما تعمق المرء في دراسة العربية تجلت له أمور جديدة، واتسعت أمامه الآفاق وثبت له أن القرون الوسطى لم تعرف الأمم القديمة إلا بواسطة العرب، وأن العرب هم الذين مدنوا أوروبا في المادة والعقل والخلق". ومثّلت اللغة العربية إحدى أبرز اللغات الحية في العالم، ولهذا فإنّ " انتشارها يُعد من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، كما يعد من أصعب الأمور التي استعصى حلها"، وشكّلت تأثيراً محورياً في نقل الثقافة عبر العصور، حين ازدادت التحديات الناتجة عن التنوع الثقافي، كما برزت أهمية اللغة العربية لكونها وسيلة لتعزيز التفاهم والتسامح بين الشعوب، بما تحمله من تراث غني يعكس قيماً عالمية مشتركة مثل السلام والحوار والتعاون. وترتبط اللغة العربية بتاريخ طويل من التواصل الحضاري وتشكيل الوعي الجمعي للأفراد والمجتمعات، وأسهمت -منذ تشكّلها المعجمي والبياني المبكر-في بناء فضاءات دلالية تُعلي من شأن القيم الأخلاقية، وفي مقدمتها التفاهم والتسامح، فالنصوص التأسيسية للثقافة العربية،…
الخميس ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: يشكّل كتاب سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نظاماً دلالياً، وليس مجرد نص سردي (سردية الفعل/ الحياة)، ويقدّم حِكماً استثنائية نابعة من تجربة حياتية وقيادية طويلة، تظهر نظرته الثاقبة لمن حوله، تستمد عمقها من الممارسة والتجربة الحياتية (سيميائية القيادة)، كأن لسان حاله يقول: "علمتني التجارب في الحياة" لذا لا يقدم الكتاب نظريات مجردة، بل "فلسفة عملية" للحياة والقيادة والخبرة، ولهذا فسموه لا يروي، بل يؤسس، ولا يشرح، بل يولّد المعنى، إنّه يعرض تجارب تسمو بالإنسان بتجليات أكثر تواضعاً وحكمة، وأكثر إدراكاً لرهانات الزمن الذي نعيشه، كل ذلك بأسلوب سلس (سهل/ممتنع). تبدو هذه الرؤى مجتمعة وكأنها خلاصة سنوات من المراقبة العميقة لديناميكيات السلطة والنفس البشرية، فالكاتب -هنا- لا يتحدث فقط بمنطق السياسي، بل بمنطق الفيلسوف والعالم بالنفس وخباياها، والعالم بالوجود ومكنوناته، الذي أتيحت له فرصة فريدة لمراقبة آليات المجتمع من أعلى نقطة مراقبة ممكنة، من هذا الموقع يكتشف أن أخطر التهديدات ليست بالضرورة تلك الظاهرة للعيان كالأزمات الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية، بل هي "القوة الخفية/ الذات" التي تقطن في دهاليز النفوس وممرات العلاقات بين الأفراد والجماعات. نصوص هذا الكتاب لا توحي لك بأنها دروس يومية، وليست استعراضاً لبطولات، بل تُقدّم ممارسات تربوية عميقة تجعل التجربة نفسها هي المعلم الأول، وتجعل…
السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال عاهدت نفسي أن أكون محايداً (بين الجامعة والطالب والمعلّم) قدر جهدي، وأن أجعل الفكرة محكومةً بميزان النظر، لا بميول الموقف، غير أنني بعد أن أنهيت كتابته، ورفعت قلمي، ولمـَّا يجف مداده بدا لي أني ملت (ميلاً حميداً) إلى كفة الطالب، لا أدري.. ربما لأنني كنت يوماً طالباً، ولم يزل في ذاكرتي بقية ولاء لذلك المقعد، فحملت شيئاً من قلقه وهمّه، وشعرت بما به يشعرون.. يردد الطلاب أمامي عبارة: (دكتور..أرهقنا ازدحام المحاضرات، وتضخّم المقررات، وكثرة المتطلبات)، هذه العبارة المختزلة (المُحبِطة) تحكي مفارقة تربوية عميقة الأثر والتأثير، فالمنطق يوحي بأنه كلما ازدحم التعليم بالمحتوى والمقررات، ضاقت مساحة التعلم، ولست -هنا- لأضع حلولاً ناجعة لتلك المشكلة، إذ هي قديمة قدم التعليم نفسه، لكن هذه الفكرة -على بساطتها- تضعنا أمام واحدة من أكثر المفارقات خفاءً في التعليم الجامعي المعاصر، فربما تسعى الجامعات إلى إثراء تجربة الطالب بزيادة ما يتعلمه، لكن هذا (الأمل) يتحطم على أروقة اتساع المنهج، وضيق المساحة الذهنية المتاحة لفهمه، وحينها تكثر الموضوعات بينما تقل قدرة الطالب على (التركيز الفكري) داخل أيٍّ منها. لا شك أن ثمة فارق جوهري بين طالب يلامس عشرات الموضوعات، وآخر تتاح له فرصة أن يدخل إلى بنية الموضوع، ويفهم منطقه الداخلي، ويختبر مفاهيمه، ويربط أجزاءه، ويعيد…
الإثنين ٠٧ سبتمبر ٢٠٢٦
لم يعد الأستاذ الجامعي حالياً ذلك الفاعل الأكاديمي الذي تنحصر مهمته في نقل المعرفة إلى طلابه أو إنتاجها في حدود تخصصه، وإنما بات يقف في قلب منظومة شديدة التعقيد تتجاذبه فيها مسؤوليات التعليم والبحث، ومتطلبات الجودة، وضغوط الترقية، وشروط الاعتماد، ومؤشرات التصنيف، وضرورة الحضور في فضاء النشر العالمي، لذا لم تعد أزمة الأستاذ الجامعي -في نظري- أزمة وقت أو أعباء وظيفية فحسب، وإنما غدت أزمة في معنى الوظيفة الأكاديمية نفسها: هل تتمثل قيمة الأستاذ فيما يصنعه في عقول طلابه، أو فيما ينتجه من بحوث؟ وهل تقاس مكانته بعمق أثره العلمي والتربوي، أو بعدد منشوراته واستشهاداته وموقع المجلات التي ينشر فيها؟ ربما هذه التساؤلات التي تجول في خاطري بين الفينة والأخرى تكشف عن تحول عميق في توجه الجامعات العربية، فالجامعة في أساس واقعها الفكري ليست مؤسسة لمنح الشهادات أو إنتاج البحوث فحسب، وإنما تُشكّل فضاءً لصناعة العقل، وتكوين الإنسان، وربط المعرفة بقضايا المجتمع، وكان الأستاذ في قلب هذه الرسالة، إذ يجمع بين وظيفة العالِم الذي ينتج المعرفة، والمعلم الذي ينقلها ويعيد تشكيلها، والمفكر الذي يمنحها أفقاً نقدياً، والمربي الذي يسهم في تكوين شخصية الطالب العلمية والأخلاقية. غير أن توسع التعليم العالي ودخول الجامعات في فضاء المنافسة الدولية أحدثا تحولاً في هذه الصورة، فأصبحت الجامعة مطالبة بأن تثبت حضورها…
الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
تشكل نظرية أفعال الكلام التي أسسها كل من أوستن وسيرل، محطة فارقة في فلسفة اللغة المعاصرة، حيث يعد سيرل خير وريث لفكر الفلسفة التحليلية من بين فلاسفة اللغة المعاصرين، في بريطانيا وأمريكا خصوصاً، وتعد أعماله في فلسفة اللغة العادية متابَعة معمّقة لمشروع أستاذه أوستين، فقد عدّل في كثير من التصنيفات وزاوج بين رأيه ورأي أستاذه أوستين وآراء غيره من فلاسفة اللغة من أمثال: فيتغنشتين، وشتراوسن وغيرهما. وحولت نظريته دراسة اللغة بوصفها شكلاً من أشكال الفعل الاجتماعي الموجه نحو غايات عملية، لكن هذا التحول التداولي لم يكن ممكناً دون أسس ظاهراتية راسخة، وعلى رأسها مفهوم (القصدية) الذي طوره إدموند هوسرل، فالعلاقة بين هوسرل وسيرل على الرغم من اختلاف المشروعين الفلسفيين - ظاهراتي تأسيسي مقابل تحليلي براغماتي - تكشف عن تشابك منهجي عميق في مقاربة شروط إنتاج المعنى وفهمه، وإذا كان البحث الفلسفي للغة يتجه بشكل متزايد نحو مقاربة الفعل التواصلي بوصفه ممارسة عملية متجذرة في سياقه اليومي والاجتماعي، فإن استحضار الأسس الظاهراتية للقصدية الهوسرلية، وصولاً إلى النظرية السيرلية لأفعال الكلام، يمكّننا من تأسيس أفق تواصلي نقدي يعد المعنى بناء دينامياً يتشكل في فضاء بين-ذاتي، وليس جوهراً ثابتاً أو ماهية مكتفية بذاتها، منفصلة عن فاعلية المتكلم وبنية المقام التواصلي الذي ينبثق عنه الفعل الكلامي ويتحقق داخله. سأتناول في هذه القراءة الفلسفية التداولية…
السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
حين أسترجع شريط العمر اليوم، وقد تجاوزت الخمسين، أذكر أنني لم أرَ في بداياته ألعاب الطفولة ولا ضحكات الصغار، بل أرى باباً أُغلق مبكراً، ويداً حانية غابت قبل أن أتعلم كيف أتمسك بها. كنت في السادسة من عمري تقريباً، أجلس على مقعدي في الصف الأول الابتدائي، أتعثر في تهجئة الحروف الأولى للحياة، كنت أظن أن أصعب ما في الحياة أن أتعلم تلك الحروف وأجمع الكلمات، حينها جاء الخبر الذي غيّر كل شيء مات أبي، لم أفهم حينها معنى الموت، كل ما فهمته أن الوجوه تبدّلت، وأن البيت الذي كنتُ أعرفه صار بيتاً آخر. لم أكن أدرك معنى الموت كامل الإدراك، لكنني كنت أشعر بأن شيئاً عظيماً قد انكسر، وأن وجوه الكبار أصبحت أكثر صمتاً، وأن أمي التي كانت تبتسم كثيراً ترمق بعيداً كأنها تحمل جبالاً فوق كتفيها، كانت ساكنة سكون الجبل حين تضربه الريح. مات أبي الذي كان يمثل لنا السقف، وحين يسقط السقف فجأة لا يخاف الأطفال من المطر فقط، وإنما من السماء كلها.. السنوات بعده أشبه بالسير على أرض مجهولة تكتسي بكل أنواع المخاوف والأشباح. ترك والدي وراءه عدداً من الأبناء والبنات، أكبرنا لم يتجاوز المرحلة الثانوية، لم يكن للأسرة راتب ثابت، ولا تجارة، ولا عقار يدر دخلًا،…
الثلاثاء ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: أضحى مفهوم النص في الدراسات اللسانية المعاصرة مفهوماً إشكالياً مقلقاً، ليس بسبب غموضه الاصطلاحي فحسب، بل نتيجة تشظّي المرجعيات النظرية التي حاولت الإحاطة به وضبط حدوده الدلالية والمنهجية، فالنص لم يعد وحدة لغوية منغلقة، ولا امتداداً خطياً للجملة، بل غدا فضاءً تفاعلياً مركّباً تتقاطع داخله اللغة مع الخطاب، والبنية مع التداول، والدلالة مع السياق، في شبكة علاقات مضطربة تتجاوز التصورات اللسانية الكلاسيكية، وأسهم هذا التحوّل في نقل البحث النصي من منطق التحديد البنيوي الصارم إلى أفق الانفتاح التأويلي، الأمر الذي عمّق الإشكال بدل أن يحسمه. وانطلاقاً من هذا التعدّد المرجعي، تبرز إشكالية مركزية حول إمكانية تعريف النص تعريفاً جامعاً مانعاً دون الوقوع في الاختزال أو الصراع المفاهيمي، كيف يمكن للنص أن يحتفظ باستقلاله البنيوي، وفي الوقت نفسه هو منفتح على سياقات إنتاجه وتلقّيه، ومتداخل مع أصوات وخطابات وثقافات متعددة؟ إن هذه الإشكالية لا تمسّ المفهوم نفسه فحسب، بل تمتدّ إلى المنهج وآليات التحليل، بما يجعل دراسة النص اليوم حقلاً معرفياً تتنازعه رؤى لسانية وفلسفية وتداولية، لكل منها منطقه ومسلّماته وحدوده، ومن -هنا- تأتي ضرورة مساءلة مفهوم النص في ضوء هذا التعدد، ليس بقصد المعرفة النهائية أو المتحققة، بل بغية الكشف عن شروط إمكانه وحدود اشتغاله داخل الفكر اللساني المعاصر. ويمكن لنا افتراض…
السبت ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٥
تُعدُّ نظرية الحدث الكلامي -المعروفة أيضاً بنظرية أفعال الكلام- إحدى الركائز الأساسية في حقل اللسانيات التداولية، كما تُعرف كذلك بـ»نظرية الحدث اللغوي» و»النظرية الإنجازية» و»نظرية الفعل الكلامي» وغيرها من الصيغ التي تعكس الأبعاد المختلفة لهذه النظرية. ومرت هذه النظرية بمرحلتين أساسيتين في تطورها: تمثلت الأولى في مرحلة التأسيس على يد الفيلسوف واللغوي الإنجليزي جون لانغشو أوستن، فيما مثلت الأخرى مرحلة النضج والضبط المنهجي على يد تلميذه الفيلسوف الأمريكي جون سيرل، الذي قام بتطوير أفكار أستاذه وتنظيمها في إطار منهجي متماسك. تميز العمل التأسيسي بطرحه رؤية ثورية للغة، انتقلت بها من مجرد أداة للوصف والإخبار إلى وسيلة فاعلة لتحقيق الأفعال والتأثير في الواقع، وبيّن أوستن من خلال تحليله الدقيق أن بعض العبارات اللغوية لا تكتفي بتصوير الواقع، بل تشكّل أفعالاً بحد ذاتها، حيث يكون النطق هو الفعل نفسه، كما في حالات الوعد والقسم والاعتذار. وقد أسهم هذا الإطار النظري في كسر الحاجز التقليدي بين القول والفعل، مشكّلاً أساساً متيناً للسانيات التداولية التي تهتم بدراسة الاستخدام الفعلي للغة في سياقاتها الاجتماعية، كما أرسى أوستن من خلال تحليله ضوابط التمييزَ بين الأفعال التلفظية والأفعال الإنجازية، ليفسح المجال أمام تطوير التصنيفات الأكثر دقة التي قدّمها لاحقاً تلميذه جون سيرل. وأسست طروحات أوستن نصًّا تأسيسيًا في مجال التداوليات، وبالتحديد في طرحه لنظرية أفعال الكلام، حيث…
الأحد ١٦ نوفمبر ٢٠٢٥
حين نقرأ تاريخ النحو العربي، لا ينبغي أن نراه سرداً لبدايات علم لغوي، بل ولادة لنمط من التفكير العربي يسعى إلى عقلنة اللغة وتنظيمها في نسقٍ يعبّر عن وعيٍ جديد باللغة وقوانينها وأنماطها. السؤال المتكرر حول كيفية نشأة النحو العربي، ربما ليس بالضرورة أن يُعنى بالإجابة عنه النحويون وحدهم، بل هو تفكير عميق وسرد وقائعي يُركز على مسألة كيف بدأ العربي يفكّر في لغته؟ وكيف تحوّلت تلك اللغة من ممارسة تلقائية إلى موضوع للتفكير المنهجي؟ لست معنياً -هنا- بالحديث عن علم القواعد ورسم القوانين والأنظمة، بل عن ولادة فكرة النظام اللغوي، تلك اللحظة التي خرج فيها اللسان من فضاء الغريزة إلى فضاء العقل، ومن التداول الشفهي إلى الضبط المنهجي، في واحدة من أعظم التحولات الفكرية في الثقافة العربية الإسلامية. التفسير (السطحي) يربط نشأة النحو بـوقوع اللحن والخطأ في الكلام، خاصة عند اختلاط العربية بغيرها في عصر الفتوحات، وكأنّ العرب لم يفكروا في لغتهم إلا حين أخطأ الآخرون فيها. ويُرجعنا هذا التفسير (غير الواعي) إلى حوادث فردية تجمع بين التضارب في المضامين، وضعف الرواية أو تباين الرواة في النقل، ناهيك عن كونها لا تُشكل نواة (تفكيرية) أو (تحريضية) لنشأة العلوم، كما أن هذا التفسير يختزل الظاهرة في بُعدها العملي ويُغفل عمقها الفكري. الذي حدث في…
الأربعاء ١٢ نوفمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: تشغل اللغة العربية موقعًا متميزًا في البنية الجمالية والثقافية للإنسانية، حيث تتجاوز وظيفتها التواصلية لتُشكّل نظامًا دلاليًا وجماليًا فريدًا. فمن الناحية التاريخية، مثلت العربية وعاءً لحفظ التراث الفكري والأدبي والعلمي، فهي لغة القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، لذا أسهمت مفرداتها الغنية وتراكيبها البلاغية المعقدة في صياغة وعي جمالي قائم على الإيقاع الصوتي والدقة التعبيرية والعمق الدلالي. وقد تجلّى هذا في النصوص المؤسسة من شعر جاهلي ونصوص دينية وفلسفية، حيث أصبحت العربية لغةً حاملةً لمنظومة قيم جمالية وأخلاقية معًا. فليست اللغة العربية مجرد أداة اتصال؛ بل هي وعاء حيوي للفكر والجمال، وحاضنة للإبداع الإنساني عبر العصور. فهي تمتلك نسيجاً لغوياً فريداً يجمع بين البلاغة والإيجاز، ويستوعب -أيضاً- أشكال التعبير المعاصرة في الرواية والشعر الحديث والإعلام والفنون البصرية والرقمية، وظلّت قادرةً على استيعاب مستجدات العصر عبر عمليات توليد المصطلحات وتكييف البنى النحوية، مما يفتح آفاقاً جديدة لإحياء جمالياتها في الفضاء الإلكتروني، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العالمي. وحين نتأمل في اللغة العربية من زاوية فلسفية حضارية، ندرك أنها منظومة جدلية تحمل في طياتها تناقضًا خفيًا بين وظيفتها كأداة وظيفية وبين قدرتها على أن تكون قوة ميتافيزيقية مولّدة للوعي، هذا التناقض لا يُفهم إلا في إطار الصراع بين ما هو ظاهر –التواصل…