الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: حين غدر صدام حسين ونظامه، في لحظة حماقة، بدولة الكويت الشقيقة، وباغتوها ذات فجرٍ مشؤوم، لم تتردد الإمارات لحظة، فقد كانت على أهبة الجاهزية لنصرة الأشقاء، حيث ارتدى الشيخ الشجاع بدلته العسكرية، وأخذ، مع قادة جيش بلاده، يجهّز الصفوف استعداداً للمشاركة في معركة التحرير. هذا الموقف لم يكن عابراً، بل عقيدة راسخة: الكويت شقيقة، ودمها من دمنا. مرّت السنون، وتبدّلت الوجوه والملفات، لكن الثابت الوحيد لم يتبدّل؛ فقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وما زال، حاضراً مع الكويت في أوقات الرخاء وأوقات الشدة. هو القائد الكبير الوفيّ لأصدقاء بلاده، فما بالك بدولةٍ شقيقة تجمعنا بها وبأهلها تاريخ من المحبة والتعاون والتآزر. وقد جاءت زيارة سموّه، مؤخرًا، للكويت، في توقيتٍ بالغ الدقة، وسط ظروف إقليمية تتسم بحساسية أمنية متزايدة، لتحمل رسالة واضحة تؤكد ثبات الموقف وصلابة الالتزام، وتعكس نهجًا راسخًا في الوفاء بالأشقاء. ولم تكن هذه الخطوة مستغربة من قائدٍ واجه بحزم كل المحاولات الرامية إلى المساس بأمن الخليج واستقراره، فهي تعكس شجاعة القائد الذي لا يزن قراراته بحسابات المخاطر، بل يمضي وفق ما يمليه الواجب، ويترجم بالأفعال عمق الأخوة ووحدة المصير. فالشجاعة ليست كلاماً، بل أفعال، وكثيرون يجيدون الخطابة حين تهدأ العواصف، ويختفون حين تشتدّ، أما الفارس الحقيقي فيُعرف حين يشتدّ الوطيس.…
الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لست من أولئك الذين يتابعون كرة القدم بشغف، ولا أدّعي امتلاك القدرة على تقديم تحليل فني للمباريات أو تقييم أداء المنتخبات. لكن بعض المباريات تتجاوز حدود الرياضة، وتتحول إلى لحظة إنسانية ووطنية تستحق المتابعة، وهذا ما دفعني إلى الحرص على مشاهدة مباراة مصر والأرجنتين على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، ضمن دور الـ16 من كأس العالم. لسبب يصعب تفسيره، أشعر دائماً أن المنتخب المصري ليس منتخب دولة شقيقة فحسب، بل فريق نمثّل جميعاً جزءاً من جمهوره. وأعتقد أن هذا الإحساس يشاركني فيه كثير من العرب. ففي كل مواجهة يخوضها المنتخب المصري أمام الكبار، يصبح الانتماء أوسع من حدود الجغرافيا، وتتحول المدرجات العربية، ولو كانت بعيدة، إلى مساحة تشجيع واحدة. في تلك اللحظات أشعر وكأنني أشجع فريقي الوطني؛ أصفق لكل هجمة، وأتوتر مع كل فرصة ضائعة، وأغضب مع كل قرار تحكيمي أراه مجحفاً، حتى أكاد أخاطب الحكم قائلاً: "اتق الله يا رجل!" ذلك لأن مصر ليست اسماً عادياً في الوجدان العربي. إنها تاريخ وحضارة، وثقافة وفن، وذاكرة مشتركة تشكلت عبر عقود طويلة. وحين تحضر مصر في المحافل الكبرى، فإنها لا تمثل نفسها وحدها، بل تحمل معها شيئاً من مشاعر ملايين العرب الذين تربوا على حبها والإعجاب بإسهاماتها. وما جرى…
الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لا تحتاج الأكاذيب إلى أدلة كي تنتشر. يكفي أن تُكرَّر بما يكفي حتى يظن البعض أنها حقيقة. ومن أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك كذبة«الديانة الإبراهيمية»، مصطلح جرى تداوله بكثافة خلال السنوات الماضية حتى اعتقد كثيرون أنه مشروع قائم أو عقيدة جديدة. والحقيقة أن هذا الاسم لم تتبنّه دولة الإمارات يوماً، ولم يرد في أي وثيقة رسمية أو مبادرة حكومية، بل هو توصيف اختلقه خصوم مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» ثم بنوا عليه حملة كاملة من الاتهامات والتحريض. وقد أعاد الأستاذ محمد الحمادي هذا الموضوع إلى الواجهة عندما سأل الكاتب المصري إبراهيم عيسى، في برنامجه «بالمنطق» على قناة سكاي نيوز عربية، سؤالاً مباشراً: ما المقصود بما يسمى «الديانة الإبراهيمية»؟ سؤال كشف هشاشة الرواية التي رُوِّجت طوال سنوات، إذ يصعب تعريف شيء لا وجود له أصلاً إلا في الخطاب الإخواني الدعائي. وحين تُسأل عن مصدر هذا المصطلح أو أول من تبنّاه رسمياً، لا تجد جواباً واضحاً، وهذا وحده كافٍ لكشف طبيعته. أما مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» نفسه، فلا يحمل أي دعوة إلى دمج الأديان أو إنشاء دين جديد. فكرته مختلفة تماماً: إبراز إمكانية التعايش والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات السماوية الثلاث. ويضم المشروع مسجداً وكنيسة وكنيساً،…
الإثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لم يكن افتتاح أولى رحلات قطار الاتحاد مجرد مناسبة احتفالية أو إضافة جديدة إلى شبكة النقل في دولة الإمارات، بل كان رسالة استراتيجية بامتياز. ففي المشهد الذي شهدته محطة الفجيرة، حيث ارتفعت الأعلام الإماراتية وارتدى الركاب أوشحة الوطن احتفاءً بانطلاق الرحلة، كان ثمة معنى أعمق من الاحتفال نفسه؛ معنى يتعلق بدولة اعتادت أن تستثمر في المستقبل قبل أن تفرضه عليها الأزمات. وأنا شخصياً من المتحمسين لخوض هذه التجربة قريباً. أن أجلس على متن القطار بين أبوظبي والفجيرة، وأقطع هذه المسافة خلال ساعة وخمس وأربعين دقيقة، ليس فقط للاستمتاع بالرحلة، بل للتأمل في قصة وطن تحولت فيه الرؤية بعيدة المدى إلى واقع ملموس. فكل كيلومتر من هذا الخط يختصر سنوات من التخطيط والعمل والإصرار على بناء خيارات استراتيجية لا ترتبط بردود الفعل، وإنما بصناعة المستقبل. يمتد خط القطار قرابة تسعمئة كيلومتر من الغويفات حتى الفجيرة، لكنه ليس مجرد مشروع للنقل أو بنية تحتية حديثة. فاختيار الفجيرة تحديداً يحمل دلالة استراتيجية بالغة؛ فهي المنفذ البحري المطل على بحر العرب خارج مضيق هرمز، وقد أثبتت التطورات الأخيرة أهمية هذا الموقع عندما أصبحت الموانئ الشرقية شرياناً حيوياً لاستمرار حركة التجارة والطاقة. قبل سنوات، استثمرت الإمارات في إنشاء خط أنابيب ينقل النفط إلى الفجيرة متجاوزاً…
الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليس ضرورياً أن تتفق مع محمد العبار في كل ما يقوله، أو أن تعجبك جميع أفكاره، أو حتى أن تتابع لقاءاته الإعلامية. فالاختلاف مع الشخصيات العامة أمر طبيعي، بل وصحي. لكن يصعب تجاهل حقيقة لافتة: أن الرجل يمتلك واحدة من أكثر مهارات التواصل تأثيراً في عالم الأعمال العربي، فهو لا يدير شركاته فحسب، بل يدير الرسائل التي يريد أن تصل إلى الناس. ومع مرور الوقت، يصبح أقرب إلى اليقين أن معظم تصريحات العبار ليست ارتجالاً، ولا مجرد إجابات تلقائية على أسئلة إعلامية، بل جزء من استراتيجية واعية. فهو يدرك أن الكلمة، حين تصدر من قائد يقود شركات بمليارات الدولارات، تتحول إلى حدث، وأن التصريح الجيد قد يحقق أثراً يفوق أحياناً حملة إعلانية كاملة. ولا يعني ذلك أن جميع تصريحاته صائبة، أو أن كل ما يقوله يصلح لكل مؤسسة، لكن من الصعب إنكار قدرته على توجيه النقاش العام. حين قال قبل أشهر إنه لا يحب الاجتماعات الطويلة، وإنه قد ألغاها من بيئة العمل في الشركات العملاقة التي يديرها، وإن كثيراً منها مضيعة للوقت، انقسم الناس بين مؤيد ومعارض، لكن اللافت أن الجميع ناقش الفكرة. تحولت الجملة إلى مادة للحديث في الشركات، وعلى منصات التواصل، وبين المختصين في الإدارة، حتى لم يعد…
الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: هناك -خليجيًا- ما يشبه الإجماع على أهمية تعزيز العلاقات الخليجية وتوحيد الموقف في مواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة. وهذه ليست مسألة ترف سياسي أو خيارًا دبلوماسيًا، إنما ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات المرحلة وحسابات الأمن الإقليمي. وقبل الحديث عن مصالحة حقيقية، ينبغي أن تسبقها مصارحة صادقة؛ فالمصالحات التي تتجاوز الأسئلة الجوهرية قد تنجح في احتواء الخلاف مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذوره، ولا تضع أسس شراكة أكثر متانة واستدامة في المستقبل. وقد أثبتت الأشهر الماضية أن المنطقة تواجه أخطر تهديد أمني منذ عقود، بل تهديدًا وجوديًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولم يكن التهديد الإيراني يومًا مفاجئًا؛ إذ شكّل في الأساس أحد أهم الدوافع لإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليكون إطارًا للدفاع المشترك، وخطوة مهمة لتنسيق المواقف، وحماية الأمن الجماعي، لكن المفارقة أن المجلس بدا أقل حضورًا في اللحظة التي واجه فيها الخليج أكبر اختبار للأسباب التي أُنشئ من أجلها، وفي مواجهة التهديد ذاته الذي كان دافعًا رئيسًا لإنشائه. من هنا تبرز عدة أسئلة لا يمكن تجازوها: لماذا غابت وحدة الموقف الخليجي عندما تعرضت دول خليجية لاعتداءات مباشرة؟ لماذا اختلفت المواقف تجاه الرد على العدوان؟ وكيف جرى في بعض الخطابات الخليجية التقليل من خطورة ما حدث، وتصويره على أنه مجرد «خلاف…
الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: معالي لانا نسيبة تمثل نموذجاً مشرّفاً للمرأة الإماراتية التي بنت مسيرتها بالعلم، والقراءة، والعمل الدؤوب، والاجتهاد المتواصل. فعلى امتداد سنوات من العمل الدبلوماسي والفكري، مثّلت دولة الإمارات في أهم المحافل الدولية بكفاءة واقتدار، وقدمت صورة مشرقة عن وطنها، واستحقت ما حظيت به من احترام وتقدير. وما حققته ليس مدعاة لفخر الإماراتيين فحسب، بل لكل عربي يؤمن بأن النجاح ينبغي أن يُقاس بالكفاءة والإنجاز والتأثير. لكن المؤسف أن كل نجاح إماراتي بارز يستدعي، في المقابل، أصواتاً لا ترى في الإنجاز سوى فرصة لإطلاق خطابات مشبعة بالعنصرية والكراهية. فبدلاً من مناقشة التجربة أو تقييم الأداء، ينحدر الخطاب إلى التشكيك في الأشخاص، والطعن في أصولهم، أو محاولة التقليل من قيمة نجاحهم من خلال إسقاطات قبلية أو مناطقية أو فئوية. هذه اللغة العنصرية لا تقول شيئاً عن الإمارات، لكنها تقول الكثير عن البيئة الفكرية التي خرجت منها. إنها بيئة ما زالت أسيرة تصنيفات ضيقة، وتعيش هاجس تقسيم الناس إلى درجات وفئات، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بالنسب أو القبيلة أو المنطقة، لا بما يقدمه من علم وعمل وإسهام في خدمة وطنه ومجتمعه. ولعل المفارقة أن بعض من يرفعون شعارات العدالة والمساواة هم أنفسهم أكثر الناس ممارسة للتمييز حين يتعلق الأمر بالنجاح. فإذا برز…
السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
في عالم البحار، تعيش سمكة صغيرة تُعرف باسم «الريمورا» أو «اللزّاق»، اشتهرت بقدرتها على الالتصاق بأسماك القرش والحيتان والسلاحف البحرية، حيث تحصل من خلال هذه الحيلة الطبيعية الذكية على وسيلة نقل مجانية وحماية من المفترسات، مع الاستفادة من بقايا الطعام التي تتركها هذه الكائنات. وفي المقابل، تؤدي دوراً نافعاً حين تتغذى على بعض الطفيليات العالقة بجلد القرش، مع تنظيف ما يعلق بين أسنانه من هذه البقايا. ولعل هذه العلاقة البيولوجية اللافتة تذكّرنا بنموذج يمكن مشاهدته في بعض الأوساط الثقافية والإعلامية العربية، فكما عرفت الطبيعة سمكة «الريمورا»، عرفت هذه الأوساط أيضاً ما يمكن تسميته مجازاً بـ«مثقف الريمورا». وهذا المثقف ليس بالضرورة جاهلاً أو قليل الاطلاع، بل إن بعضهم قارئ جيد ويتمتع بقدرة على التحليل والجدل، لكن المشكلة لا تكمن في مستوى معرفته، وإنما في طبيعة حضوره ودوره. فهو نادراً ما يبادر إلى إنتاج مشروع فكري أو ثقافي متكامل، ونادراً ما يقدّم محتوى أصيلاً يضيف إلى المجال الذي ينشط فيه، لكنه يظل حاضراً باستمرار عبر التعلق بما ينتجه الآخرون. وفي الوقت الذي يقضي فيه الكاتب أو الباحث أو الإعلامي الجاد ساعات طويلة في القراءة والبحث والتحضير والإنتاج، يأتي «مثقف الريمورا» ليجعل من هذا الجهد مادته الأساسية، ولا يشغله كثيراً جوهر الفكرة أو قيمة العمل،…
الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦
في الإمارات، لا يأتي الولاء الصادق للقيادة الحكيمة من باب المجاملة، ولا يُبنى على شعارات عابرة أو مواقف ظرفية، بل ينطلق من إيمان راسخ بالوطن وقادته ورموزه وتاريخه ومسيرته التنموية الفريدة. إنه ولاء من القلب، قوامه الثقة والصدق والمحبة والوفاء بالعهد. ولذلك ظل الولاء في الإمارات قيمة أصيلة ومتجذرة في وجدان المجتمع، انتقلت عبر الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية التي تجمع المواطنين والمقيمين على حد سواء. فمن يعيش على هذه الأرض المباركة، ويختبر ما توفره من أمن واستقرار وعدالة وفرص للحياة الكريمة، يدرك سريعاً أن العلاقة بين القيادة والشعب في الإمارات ليست علاقة تقليدية تقوم على الواجبات الرسمية فقط، بل هي علاقة ثقة متبادلة ومحبة حقيقية وشراكة في صناعة المستقبل. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تمتد مشاعر الولاء والانتماء لتشمل ملايين المقيمين الذين وجدوا في الإمارات وطناً ثانياً ومكاناً يحققون فيه أحلامهم وطموحاتهم. ومن هذا المعنى العميق جاءت المبادرة الوطنية المجتمعية «عهد ووعد» التي أطلقها صندوق الوطن للتعبير عن الوفاء والانتماء والمحبة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وتقديراً لمسيرة الأمن والأمان والازدهار التي تشهدها دولة الإمارات. وقد عكس التفاعل الواسع مع المبادرة حقيقة ما يكنّه المجتمع الإماراتي، بكل مكوناته، من تقدير واحترام ومحبة لقيادته الرشيدة. هذا التفاعل الكبير…
الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦
هل انتهى مفهوم الأمن القومي العربي؟ ربما لم يعد هذا السؤال دقيقاً؛ لأنه يفترض أن ما كان قائماً ما زال صالحاً للنقاش بالصيغة نفسها. السؤال الأهم اليوم هو: هل ما زلنا بحاجة إلى هذا المفهوم كما صيغ في أدبيات القرن الماضي؟ هنا تبدو الإجابة أقرب إلى النفي. ليس لأن فكرة الأمن المشترك فقدت أهميتها، بل لأن أدواتها، وحدودها، ومنطلقاتها تغيّرت جذرياً.العالم لم يعد كما كان. لم تعد الجغرافيا وحدها تصنع التحالفات، ولم تعد القومية إطاراً كافياً لبناء منظومات أمن فعّالة. ما نشهده اليوم هو إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن ذاته: لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يشمل أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأمن السيبراني، والتفوق التكنولوجي، وحتى القدرة على إدارة الأزمات المعقدة. في هذا السياق، لم يعد الانتماء اللغوي أو التاريخي هو المحدد الأول، بل القدرة على الإسهام في منظومة أمنية مرنة، سريعة التكيّف، وقادرة على الردع. التجربة الأخيرة في الخليج، خصوصاً في ظل العدوان الإيراني، كشفت بوضوح حدود النموذج التقليدي. لم تتحرك «الأمة» بوصفها كتلة واحدة، ولم يظهر ذلك التماسك الذي افترضته أدبيات الأمن القومي العربي لعقود. ما تحرك فعلياً هو الدولة القادرة، التي تملك مؤسسات قوية ورؤية واضحة، والتحالفات التي بُنيت على أسس عملية لا شعاراتية. الرد لم يكن عربياً جامعاً، بل كان…
الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦
في أوقات الأزمات، لا تكفي متابعة الأخبار لفهم ما يجري؛ بل تصبح الحاجة ملحّة إلى مراجع فكرية تقدّم تفسيراً أعمق للسلوكيات والتحولات. وفي هذا السياق، يبرز كتاب «إيران والخليج: البحث عن الاستقرار» بوصفه أحد أهم الأعمال التي تساعد على قراءة المشهد الراهن في الخليج والشرق الأوسط من منظور استراتيجي متماسك. صدر هذا الكتاب لأول مرة في عام 1996 عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في مرحلة مفصلية أعقبت حرب الخليج الثانية، لكنه لم يكن مجرد استجابة ظرفية لتلك اللحظة التاريخية، بل محاولة علمية لاستشراف أنماط السلوك الإيراني في المنطقة على المدى الطويل. وما يمنح هذا العمل قيمة إضافية أنه ليس كتاباً تقليدياً لمؤلف واحد، بل هو نتاج جماعي يضم أوراقاً بحثية لنخبة من الباحثين من إيران والعالم العربي وخارجه، من بينهم معالي الدكتورأنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، ما يضفي عليه ثراءً في المقاربات وتعدداً في زوايا النظر. ينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أن سلوك إيران في الخليج لا يمكن فهمه باعتباره ردّ فعل عابراً، بل هو انعكاس لبنية فكرية وسياسية متكاملة. لذلك يتناول جذور النظام الإيراني، وطبيعة مؤسساته، وأسس رؤيته للعالم، قبل أن ينتقل إلى تحليل أدوات نفوذه الإقليمي. هذه المقاربة المنهجية تجعل القارئ اليوم يرى في كثير من تطورات المشهد- من التصعيد العسكري…
الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦
في لحظة تتصاعد فيها التوترات في الخليج مجددًا — مع اضطراب الأوضاع في مضيق هرمز وتعثر المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران — لا يزال كثير من التحليل ينظر إلى المشهد من زاوية القوى التقليدية والتحالفات المعروفة. غير أن هذا الإطار يغفل تحوّلًا مهمًا: الهند، التي طالما اعتُبرت شريكًا اقتصاديًا خارجيًا، أصبحت اليوم طرفًا ذا تأثير متزايد في معادلة الأمن في غرب آسيا. ليس من خلال القوة العسكرية، بل عبر عناصر قد تكون أكثر استدامة: الانكشاف الاقتصادي العميق، والتشابك الاستراتيجي، والقدرة المتنامية على التأثير في شروط الاستقرار. أكثر من 60% من واردات الهند من النفط الخام تأتي من غرب آسيا، ما يجعل تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز ليس مجرد أولوية استراتيجية، بل شريانًا اقتصاديًا حيويًا. ومع تزايد التهديدات للممرات البحرية، باتت هشاشة هذا الاعتماد أكثر وضوحًا. بالنسبة للهند ودول الخليج على حد سواء، لم يعد التصعيد مجرد أمر غير مرغوب فيه، بل أصبح غير قابل للتحمل اقتصاديًا. انهيار الجهود الدبلوماسية بين واشنطن وطهران يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين. فالمنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من «إدارة الصراع» بدلًا من حله، حيث تزداد احتمالات سوء التقدير، وقد تؤدي الحوادث المحدودة إلى اضطرابات أوسع. في هذا السياق، تجد الهند نفسها معنية بشكل مباشر، لا كمراقب بعيد، بل كفاعل متأثر. لكن دور الهند…