ما الذي يخشاه الخليج أكثر: نهاية غير حاسمة للحرب مع إيران..هدنة تُبقي قدرة طهران على الإكراه ستدمّر المنطقة
آراءفي أعقاب إعلان الرئيس دونالد ترامب عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مع إيران، لا يتمثل القلق الرئيسي في الخليج في كيفية انتهاء هذه الحرب، بل في احتمال أن تنتهي مبكرًا أكثر مما ينبغي. بالنسبة لكثيرين خارج المنطقة، قد يبدو إعلان ترامب وكأنه نهاية للصراع. أما بالنسبة لنا ممن نعيش ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، فإن مثل هذا التطور قد يمثل بداية مرحلة أكثر خطورة: اليوم التالي.
إن إعلانًا أمريكيًا مبكرًا بالنصر قد يترك دول الخليج مكشوفة أمام جار غاضب وأكثر جرأة — جار أثبت بالفعل استعداده للتصعيد إلى ما هو أبعد من الحدود التقليدية. ويزيد من هذا القلق الطابع غير المتوقع لترامب، إذ تشير سوابقه إلى أنه يتعامل مع الحروب ليس كالتزام استراتيجي طويل الأمد، بل كعرض سياسي يُعلن فيه النصر سواء تم حل التهديدات الأساسية أم لا.
تتضاعف المخاوف: ماذا لو انتهت الحرب دون تحييد قابل للتحقق لمخزون إيران من اليورانيوم؟ ماذا لو بقي مضيق هرمز عرضة للضغط؟ ماذا لو ظلت قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة — وهي بالفعل من الأكبر في المنطقة — قائمة إلى حد كبير؟ ماذا لو استمر الحرس الثوري في تحديد سلوك إيران الإقليمي دون رادع؟ هذه ليست أسئلة نظرية.
وأنا أكتب هذه السطور، أسمع صدى اعتراض صاروخ باليستي فوق دبي. لم تسعَ دول الخليج إلى هذا الصراع. بل عملت قبل اندلاعه على تجنّب التورط فيه. ومع ذلك، فقد استقبلت آلاف المقذوفات من صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت البنية التحتية المدنية والاقتصادية، خصوصًا في دولة الإمارات.
ورغم ضبط النفس اللافت، لا يمكن للخليج تحمّل نتيجة غير حاسمة. كحد أدنى، يجب أن يعالج أي اتفاق سلام دائم جذور عدم الاستقرار: البرنامج النووي الإيراني، وترسانتها المتنامية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستخدامها المتكرر للممرات البحرية كأدوات ضغط.
فطالما ظل اليورانيوم المخصب أداة نفوذ بيد طهران، ستستمر منطقية الضربات الاستباقية. قد تعود إسرائيل للضرب، وقد ترد إيران مجددًا، بما في ذلك استهداف جيرانها. وستظل مدن الخليج — المرتبطة بالأسواق العالمية — مكشوفة أمام نظام أظهر استعداده لاستخدام القوة وعرقلة التجارة العالمية لتحقيق أهدافه.
وترك مضيق هرمز تحت رحمة إيران يعزز من قوة هذا النظام. لكن البعد العسكري يخفي ما هو أعمق. ما لم تدركه واشنطن هو أن هذا ليس مجرد صراع جيوسياسي، بل هو صراع بين نموذجين.
في دول الخليج، وخاصة الإمارات، استثمرت الحكومات بشكل كبير في بناء اقتصادات منفتحة ومتصلة بالعالم. يشكل القطاع غير النفطي في الإمارات أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد أصبحت مدن مثل دبي مراكز عالمية للتجارة والمال والسياحة والتكنولوجيا، بينما تضخ المنطقة استثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة.
أما النظام الإيراني الحالي، فيمثل نموذجًا مختلفًا: يقوم على الجمود الأيديولوجي، والقمع، والسيطرة المركزية، وتصدير الاضطراب والعنف. داخليًا، يقمع المعارضة ويحد من الانفتاح الاقتصادي. وإقليميًا، يدعم شبكات من الوكلاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مما يغذي صراعات دمّرت مجتمعات بأكملها.
التباين واضح: في الخليج، يُشجَّع الشباب على الابتكار وبناء الشركات. أما في مناطق نفوذ إيران، فكثيرًا ما يُدفع الشباب إلى الميليشيات وصراعات لا توفر لا ازدهارًا ولا استقرارًا. ولا شك أن حقوق الإنسان في ظل النظام الإيراني محدودة بشكل كبير.
رهانات هذه الحرب لا تقتصر على الردع، بل تتعلق بمستقبل المنطقة: هل تتجه نحو الانفتاح والنمو، أم تبقى أسيرة دوامات المواجهة؟ لهذا السبب، لا يمكن تجاهل “اليوم التالي”. فهدنة مؤقتة تُرضي الجدول السياسي في واشنطن دون معالجة الأسباب الجذرية ستزرع عدم الاستقرار في المنطقة — وربما في العالم لاحقًا. أنا لا أؤيد دعوة ترامب لمحو حضارة من على وجه الأرض.
لكنني أؤيد تحييدًا حاسمًا للمخاطر والتهديدات التي تمثلها إيران — لمصلحة الشعب الإيراني وجيرانه، ولصالح الأمن والاستقرار العالميين. فالهدنة المؤقتة خطيرة؛ إذ قد تمنح الحرس الثوري فرصة لإعادة تنظيم صفوفه واستعادة قدراته.
الشرق الأوسط يحتاج إلى نتيجة تُنهي مصادر عدم الاستقرار، وتفتح الباب أمام مستقبل مختلف، يمكن فيه توجيه الإمكانات البشرية والاقتصادية — في إيران والعالم العربي — نحو النمو بدلًا من الصراع. بالنسبة لنا نحن الذين نعيش في هذه المنطقة، السؤال ليس ما إذا كانت هذه الحرب ستنتهي، بل ما إذا كانت ستنتهي فعلاً.
- ترجمة لمقال د. سليمان الهتلان المنشور على صحيفة واشنطن بوست الأمريكية
