هدى روفاييل
هدى روفاييل
كاتبة صحفية

سعيد أفندي… أوطان وذاكرة

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       في عصريةٍ صيفيةٍ هادئةٍ من أمسيات مايو، دخلتُ مستعجلةً من بوابة متحف اللوفر في أبوظبي، رياحٌ شماليةٌ منعشةٌ مسحت لسعة الشمس من جسدي، مؤذنةً بأمسيةٍ تفوح فيها رائحة سطح بيتنا في ليالي الصيف.      تلمستُ طريقي إلى كرسيٍّ في مدرجات سينما المتحف، كان الفيلم قد بدأ. لم أكن أتوقع هذا الصوت والصورة الواضحة، فلقد سمعتُ أن فيلم سعيد أفندي أُعيد ترميمه وتنظيف صورته وصوته بعناية قبل مهرجان كان ٢٠٢٥. فيلمٌ أُنتج في ١٩٥٦ في العراق، رممته التكنولوجيا وعالجت كسور شريطه الصوري. تساءلتُ في نفسي: هل يستطيع الزمن أن يرمم كل الذي كُسر؟ كان الأبيض والأسود يتحرك أمامي بهدوء، لكن داخلي كان يمتلئ بالألوان والأنوار والذكريات.      أحسستُ بدفء الكرسي كما لو أنني عدتُ طفلة أجلس في حضن أمي قبل عقود. كان الفيلم نفسه يُعرض يومها، في بيتنا القديم، على شاشة تلفزيون تتداخل فيها الصورة ويختنق الصوت كلما هبّت الريح وحرّكت “الأريل” على سطح المنزل. لا أتذكر كم كان عمري، ولكنه كان مؤكدًا قبل بدء زمن الحروب في العراق. في ذلك اليوم جلست أمي مرفوعة الرأس، مفعمة العينين، وابتسامة ذكريات أعادت النضارة لوجهها الأربعيني المتعب.      كانت رائحة شاي سيلان تعبّئ البيت. أمي لا تتوقف عن شرب الشاي من الصباح حتى تذهب…